Logo

الصراع الأمريكي ـ الإيراني ورهان الخروج من الأزمة!

 يُعتبر الاعتماد على مراهنة أطراف الصراع الأمريكي – الإيراني على الخروج من الأزمة؛ استراتيجية معقدة لتوظيف التناقضات بين القوتين. 

ترتكز هذه السياسة على تحويل الأزمات المفتوحة – بدءاً من العقوبات الاقتصادية المشددة، وصولاً إلى التصعيد العسكري- إلى فرص استراتيجية لتحقيق مكاسب سياسية، اقتصادية، أو أمنية، دون الانخراط المباشر في الصراع.

يمكن تفكيك هيكل هذه المراهنات إلى عدة محاور رئيسية، المراهنة على حافة الهاوية؛ محاولة تحقيق مكاسب تفاوضية عبر الاستثمار في سياسات حافة الهاوية. 

تعتمد فيها الأطراف الإقليمية والدولية على امتصاص الصدمات الناتجة عن المواجهات العسكرية لفرض شروط أفضل في أي تسويات سياسية مستقبلية. اقتصاديات الأزمات (الرهان على التداعيات)؛

 الاستفادة من تقلبات أسعار الطاقة وسلاسل التوريد المرتبطة بالتوترات. يشمل ذلك استثمار الحظر النفطي على إيران لتعزيز حصص دول أخرى في السوق، أو الاستفادة استراتيجياً من استقرار إمدادات الطاقة. 

الرهان على التوازنات الإقليمية؛ تقوم الأطراف الثالثة بموازنة نفوذها عبر اللعب على التناقضات، حيث تعتمد بعض القوى على الضغط الأمريكي لاحتواء النفوذ الإيراني،

 بينما تراهن قوى دولية (مثل الصين وروسيا) على استثمار هذا الصراع لتقليص الهيمنة الغربية وإعادة صياغة قواعد النظام الدولي. 

مراهنات التغيير الداخلي؛ الرهان على الضغط الاقتصادي والعسكري لإحداث تغييرات في بنية النظام الإيراني، أو قيام واشنطن بربط أي رفع للعقوبات بتنازلات هيكلية في سلوك طهران الإقليمي وبرنامجها النووي. 

أسواق التنبؤات والسياسة؛ في مشهد غير تقليدي، تحولت نتائج هذه المواجهات إلى موضوعات استثمارية في منصات التنبؤات الرقمية (مثل منصات الرهان التي شهدت نشاطاً واسعاً حول مسار الحرب الإيرانية وتطوراتها)، مما يبرز كيف تتداخل السياسة مع رأس المال في هندسة قواعد اللعبة.

تراهن الإدارة الأمريكية في أزمتها مع إيران على مزيج من الضغط الاقتصادي الخانق والتهديد العسكري المباشر، بهدف إجبار طهران على الاستجابة لشروط واشنطن- وعلى رأسها تفكيك منشآتها النووية الحساسة وإعادة فتح مضيق هرمز- دون الانزلاق إلى حرب شاملة ومكلفة.

 تعتمد الاستراتيجية الأمريكية على ثلاثة محاور رئيسية: الضغط الاقتصادي وتجفيف الموارد: تراهن واشنطن على أن الحصار البحري المفروض على موانئ إيران وتكدس النفط سيؤدي إلى انهيار اقتصادي يعمق الأزمات الداخلية.

 الهدف هو دفع القيادة الإيرانية نحو طاولة المفاوضات لتخفيف حدة الاحتقان الشعبي. 

الضربات العسكرية الانتقائية: استخدمت واشنطن (بالتنسيق مع إسرائيل) سياسة الضربات الجوية المحدودة والمكثفة، بهدف شل القدرات العسكرية الإيرانية، وتدمير البنى التحتية، ومنع إيران من استغلال برنامجها النووي. 

تغيير السلوك أو إسقاط النظام: تتنوع الرهانات الأمريكية بين مسارين؛ الأول هو إجبار طهران على التفاوض بشروط واشنطن (مثل مذكرة التفاهم المقترحة لوقف إطلاق النار؛ تأكيد ترامب عدم إبرام اتفاق مع إيران ما لم يستوف جميع شروطه)، 

والرهان الأقصى هو استغلال الضغط العسكري الداخلي للتعجيل بـ «تغيير النظام» الإيراني.

 تراهن الإدارة الأمريكية في أزمتها مع إيران على مزيج من الضغط الاقتصادي الخانق والتهديد العسكري المباشر

بينما تراهن إيران في الأزمة الراهنة على استنزاف خصومها وإطالة أمد المواجهة لإجبارهم على تقديم تنازلات، مستندة إلى استراتيجية «عض الأصابع» التي تعتمد على عدة محاور رئيسية: طول النفس والصمود؛ 

تراهن إيران على خبرتها الطويلة (التي تمتد لعقود) في الالتفاف على الحصار الاقتصادي، معولةً على أن الأزمة الاقتصادية الداخلية لن تؤدي إلى انهيار النظام، بل إن تحملها للألم الاقتصادي يمكن أن ينهك خصومها ويحسن من شروط تفاوضها.

 أوراق الضغط الجيوسياسية (الممرات المائية): تستخدم طهران موقعها الجغرافي كورقة ضغط استراتيجية عبر تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب،

 مما يؤدي إلى شلل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار النفط والطاقة عالمياً، وهو ما يضع ضغطاً دولياً لحل الأزمة. 

الانقسام الدولي: تراهن الدبلوماسية الإيرانية على الخلافات والتباين في المواقف بين الولايات المتحدة والشركاء الأوروبيين حول كيفية إدارة الأزمة، 

وتفضل سياسة احتواء الأزمة وتجنب الحرب الشاملة المفتوحة التي قد تشتعل فيها المنطقة. العقيدة العسكرية غير المتكافئة: في مواجهة التفوق العسكري للخصوم،

 تعتمد إيران على تكتيكات غير تقليدية مثل ترسانات الصواريخ الممتدة في أعماق الأرض («مدن الصواريخ»)، والتلويح بقدرتها على إلحاق أذى كبير بالمصالح الحيوية للدول المجاورة لردع أي ضربات قاصمة بالإضافة إلى وكلائها.

إن الرهان الأمريكي والإيراني على الخروج من الأزمة تحكمه استراتيجية «إدارة التصعيد» وليس إنهائه. تسعى واشنطن للحد من النفوذ الإيراني وبرنامجها النووي دون التورط في حرب استنزاف شاملة،

 بينما تراهن طهران على الصمود الاقتصادي وإجبار أمريكا على رفع العقوبات دون تقديم تنازلات جذرية. تتلخص أبرز ملامح مشهد الخروج من الأزمة في النقاط التالية:

 المراوغة الاستراتيجية (لا حرب شاملة ولا سلام)؛ يدرك الطرفان أن أي مواجهة عسكرية مفتوحة ستكون باهظة التكلفة، مما يجعلهما يراهنان على سياسة حافة الهاوية لتحقيق مكاسب تفاوضية أفضل. 

رهان واشنطن على الضغط والعقوبات؛ تعتمد الإستراتيجية الأمريكية على التضييق الاقتصادي واستغلال الأزمات الداخلية لإجبار إيران على العودة لطاولة المفاوضات بشروط جديدة. 

رهان إيران على استنزاف الخصم؛ تعول طهران على متانة جبهتها الداخلية، واستغلال أوراق الضغط الإقليمية، وحاجة الاقتصاد العالمي لاستقرار إمدادات الطاقة، لتجنب الانهيار. الخيار الدبلوماسي الحذر؛

 يبقى الحل الدبلوماسي مرهوناً بقدرة الطرفين على تقديم تنازلات متبادلة، حيث لا يزال مسار الدبلوماسية محفوفاً بالتعقيدات والمخاطر.

٭  د. محمد عياش
كاتب فلسطيني وباحث سياسي