لماذا تهربُ الكفاءات من الدول العربية؟
من يتجول في شبكات التواصل الاجتماعي، ويتصفح ما يكتبه المستخدمون العرب على اختلاف أماكنهم، يجد الأغلبية الساحقة تبحث عن طريق للهجرة إلى الخارج، حيث يتهافت الشباب من مختلف الفئات والأعمار للبحث عن وسيلة للهروب من بلدانهم، من أجل العيش في الدول الغربية، وهذه الظاهرة وإن كانت قديمة، إلا أنها تفاقمت أكثر وأكثر خلال السنوات الأخيرة.
في السابق كان الكثير من العرب يبحثون عن فرص عمل في الخارج على سبيل الغُربة المؤقتة، أي يبحثون عن وظيفة مؤقتة في دولة غنية بهدف العيش لبضعة سنوات وجمع ما تيسر من المال، ومن ثم العودة إلى أوطانهم الأصلية،
أما اليوم فتكاد لا تجدُ بلداً عربياً إلا وأبناؤه يصطفون طوابير للبحث عن هجرة، والمقصود بالهجرة هنا هو «السفر من غير رجعة» والاستقرار في الخارج وبناء حياة جديدة لا تتضمن وجود نية بالعودة إلى البلد الأصلي.
الدول العربية تحولت إلى بيئات طاردة وليست جاذبة، أما السبب وراء هذا التحول فليس الفقر والأزمات الاقتصادية،
كما يحلو لكثير من الناس أن يتخيل، وإنما سوء الأوضاع الاقتصادية والفقر والبطالة وضيق الحال، هي أحد الأسباب وليس السبب الوحيد،
أما الحقيقة فهي جملة معقدة من الأسباب، التي تجعل الأقطار العربية – أو أغلبها- بيئات طاردة للشباب والعلماء والكفاءات والخبراء ورجال الأعمال، وكل أنواع الموارد البشرية المؤهلة.
ولا شك في أن من أبرز الأسباب الطاردة وأبسطها: الفقر والبطالة والأزمات الاقتصادية، لكن واقع الحال هو أن الأسباب الأخرى هي الأكثر أهمية وهي الأكثر تنفيراً،
وفي مقدمتها: غياب العدالة، وانعدام المساواة بين المواطنين، وانتشار مظاهر العنصرية والتمييز والاضطهاد، سواء للأقليات أو للمعارضين السياسيين، أو حتى للأشخاص الذين لا يعلنون ولاءً مطلقاً للنظام السياسي.
كما أن الفساد والمحسوبية والرشاوى والواسطة من بين الأسباب التي تجعل الأوطان طاردة وليست جاذبة. وهذه العوامل تنتهي بأن تجعل البلد مجرد مستنقع للصوص والفاسدين والمرتشين والمنتفعين،
وهؤلاء يتعاملون مع بلدانهم على أنها مزارع تبيضُ لهم ذهباً، ولا يعنيهم مطلقاً مستقبل البلد وتطوره ورفعته، وإنما يهتمون بالوطن بقدر ما يؤمن لهم مصالحهم الشخصية الضيقة.
هذا الحال تسبَّبَ باتساع رقعة «نزيف الكفاءات»، أو «هجرة العقول» والنتيجة التي نراها اليوم هي، تراجع مستوى الخدمات في الدول العربية، وعرقلة تقدم البلاد العربية وتطورها،
حيث إن الباحثين والخبراء والعلماء والأطباء والكفاءات، سرعان ما يهاجرون إلى الخارج، وسرعان ما يجدون دولاً أخرى تتلقفهم وتغدق عليهم من الامتيازات التي تعوضهم عن بلدانهم،
ونتيجة لذلك فقد أصبح الإنسان العربي يدخلُ مستشفى فلا يجد طبيباً مؤهلاً، وكذا الحال في مختلف المنشآت والمؤسسات التي أصبحت تعاني فقراً في الكفاءات، وأزمة في الأيدي العاملة المؤهلة والماهرة.
في المقابل، من يدخل إلى مستشفى، أو جامعة، أو مؤسسة علمية، أو بحثية عريقة في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو ألمانيا أو أوروبا، يجد أن أفضل الأطباء والعاملين المؤهلين والخبراء هم من المهاجرين العرب؛
إذ إن مجموعة من أفضل أطباء الاختصاص في العالم أصولهم عربية، لكن بلدانهم لا تستفيد منهم، حيث يعيشون في الخارج ويحملون جنسيات أجنبية، ويتمتعون بأفضل الامتيازات التي لم توفرها لهم بلدانهم من قبل.
وتشير بعض الإحصاءات غير الرسمية إلى أن نحو 54% من الطلاب العرب، الذين يسافرون للدراسة في الدول الغربية لا يعودون إلى أوطانهم الأصلية.
كما أن مجلة «المجتمع» الكويتية سبق أن نشرت تقريراً أفاد بأن الأطباء العرب يشكلون نسبة تصل إلى 34% من إجمالي الأطباء الأكفاء في بريطانيا،
كما قال تقرير المجلة، إن المهندسين العرب يساهمون بنسبة تقارب 31% من مجموع المهندسين في الدول الغربية،
بينما تبلغ النسبة الإجمالية للأطباء العرب في الدول الغربية 25%، أما خبراء تكنولوجيا المعلومات فنسبة العرب فيهم تبلغ 50%، أي أن نصف الخبراء في هذا القطاع هم من المهاجرين العرب.
والخلاصة هي أن دولنا العربية تخسر الكثير بسبب هجرة أبنائها المؤهلين، بينما تحولت إلى مرتع للفاسدين والمنتفعين والمرتشين، والذين يجمعون المال ويكونون الثروات على حساب الفقراء وأبناء الشعب. هذه الظاهرة أصبحت الدول العربية تدفع ثمنها وستدفع لاحقاً ثمناً أكبر ما لم يتم تدارك الأمر.
محمد عايش
كاتب فلسطيني