صرخة في وادٍ.. لعل صداها يصل إلى الجار القريب قبل الداخل البعيد
لا نأخذ على بعض جيران اليمن سعيهم لتحقيق مصالحهم أو تحركهم وفق حساباتهم السياسية والاستراتيجية، فالتاريخ الإنساني حافل بصراعات بين الأشقاء والجيران، وبمحطات من التنافس والنزاع تركت آثاراً عميقة في وجدان الشعوب.
غير أن المأخذ الحقيقي يكمن في إطالة أمد المعاناة واستمرار السياسات التي تُبقي اليمن غارقاً في أزماته، وتُثقل كاهل شعبه بمزيد من الألم والانقسام والاستنزاف. والسؤال الذي يفرض نفسه: من المستفيد من استمرار هذا الواقع؟
لقد تحولت الحرب في اليمن، وما رافقها من صراعات داخلية وتدخلات خارجية، إلى مأساة يدفع ثمنها الشعب المنكوب، وستظل آثارها تمتد إلى أجيال متعاقبة.
كما أسهم في تعقيد المشهد بعض أبناء الوطن حين قدّموا المصالح الضيقة والانتماءات الجزئية على المصلحة الوطنية الجامعة، فكانوا ـ بقصد أو بغير قصد ـ جزءاً من مسار أضعف مؤسسات الدولة، وأرهق المجتمع، وعمّق الانقسامات، وألحق أضراراً جسيمة بالنسيج الوطني.
إن المستقبل لا يُبنى بالأحقاد، ولا باستدعاء مرارات الماضي، بل بالوعي بأن الجغرافيا قدر ثابت، وأن روابط التاريخ والجوار والمصير المشترك أقوى من كل خلاف عابر.
فلا الجوار يستطيع تغيير موقع اليمن، ولا اليمن قادر على تغيير موقع جيرانه، ومن ثم فإن الطريق الأكثر حكمة وأمناً ومصلحة للجميع هو طريق التعاون والتفاهم وبناء الثقة المتبادلة.
لقد أثبتت التجارب أن استقرار اليمن من استقرار جواره، وأن أمن المنطقة كلٌّ لا يتجزأ. وكل سياسة تقوم على إضعاف الآخر أو إنهاكه قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها لا تصنع سلاماً دائماً، ولا تؤسس لعلاقات مستقرة بين الشعوب.
إن الشعوب لا تموت، والذاكرة الوطنية، مهما أثقلتها الجراح، تظل قادرة على تجاوز المحن متى ما توفرت الإرادة الصادقة والرؤية الحكيمة.
كما أن العلاقات بين الأمم لا ينبغي أن تُبنى على الصراع الدائم أو حسابات اللحظة، بل على الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، والمصالح المشتركة.
ما يحتاجه اليمن والمنطقة اليوم ليس المزيد من أسباب الفرقة والخصومة، بل مشروع يفتح أبواب السلام، ويُعيد الاعتبار لقيم الأخوّة والتعاون والإنسانية، ويؤسس لشراكة قائمة على الاحترام المتبادل، وصون السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يضمن مستقبلاً أكثر استقراراً وأمناً وازدهاراً لجميع شعوب المنطقة.
وإذا كانت الحروب قادرة على صناعة الخراب، فإن الحكمة وحدها قادرة على صناعة المستقبل، ولا مستقبل آمناً لأحد في هذه المنطقة إلا بتغليب منطق التعاون على الصراع، والشراكة على الهيمنة، والسلام على الخصومة.
* أ. فيصل بن أمين أبو راس
برلماني وسفير سابق