Logo

عن التصور المستقر والعادل لمعنى الدولة ووظيفتها في اليمن

 أتصور أن ما طرحه عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ محافظة حضرموت سالم الخنبشي أخيراً، لم يكن مجرد مطالبة إدارية ملحة تتعلق بنسبة مالية أو امتياز اقتصادي يمكن إدراجه ضمن الخلافات المعتادة بين المركز والأطراف، بل بدا أقرب إلى لحظة كاشفة لواحد من أكثر الأسئلة حساسية في التجربة اليمنية في تاريخها الحديث، سؤال الدولة نفسها.

فحين يطالب مسؤول رفيع بمنح محافظة حضرموت نسبة محددة من عائدات النفط، ويقرن ذلك بالتلويح بإيقاف التصدير أو الامتناع عن توريد الإيرادات، 

فإن القضية في تقديري تتجاوز حدود الأرقام لتلامس طبيعة العلاقة بين "الجغرافيا" و"السيادة"، وبين "المورد الوطني" و"الحق المحلي".

ومن ثم، لا يصبح النفط هنا مجرد ثروة اقتصادية، بل يتحول في اعتقادي إلى مرآة تعكس طبيعة الخلل الكامن في البنية السياسية والإدارية في الجمهورية اليمنية التي لم تستطع حتى اليوم إنتاج تصور مستقر وعادل لمعنى الدولة ووظيفتها.

من هذه النقطة تحديداً تبدأ المعضلة الحقيقية. فالدولة ليست مجرد وعاء تتجمع داخله المصالح المختلفة، 

كما أنها ليست هيئة مهمتها إدارة التوازنات الموقتة بين القوى والمناطق، بل هي - في جوهرها - الإطار الذي يحول المصالح المتعددة إلى منظومة حقوق متساوية وقواعد عامة.

لاحظوا معي من فضلكم أن هذا المعنى حين يغيب، يبدأ كل طرف بالنظر إلى الدولة بوصفها وسيلة للحصول على نصيب أكبر من الموارد لا باعتبارها المرجعية التي تضمن العدالة للجميع.

لذلك، فإن النقاش الذي أثاره الخنبشي، وهو في تصوري نقاش حساس لكنه في غاية الأهمية لا يتعلق فقط بحضرموت أو بالنفط أو بالكهرباء، بل يتعلق بسؤال الأسئلة، 

هل لا يزال اليمنيون ينظرون إلى الدولة باعتبارها كياناً وطنياً جامعاً، أم أنهم باتوا يرونها مجرد ساحة لتقاسم المنافع والموارد؟

لاحظوا معي أيضاً أن ما يمنح هذا السؤال أهميته الاستثنائية هو أن الدولة العادلة لا تُقاس بمدى قدرتها على إرضاء الجميع في لحظة معينة، لأن الرضا بطبيعته متغير وخاضع للمصالح والظروف،

 وإنما تُقاس بقدرتها على إنتاج معيار موضوعي للإنصاف يلتزم به الجميع حتى في لحظات الاختلاف. فالعدالة ليست شعوراً شخصياً، بل قاعدة عامة. 

وهي لا تتحقق عندما تحصل كل منطقة على ما تطلبه، بل عندما تقتنع كل منطقة بأن ما تحصل عليه نابع من معيار وطني واضح ومعلن يمكن تطبيقه على الجميع دون استثناء. 

ولسائل أن يسأل، هل يمكن أن تحذو "عدن" حذو "حضرموت" بالنسبة إلى ما يحصله الميناء والمطار وهما شرياناها الرئيسان؟ وكيف سيغدو الأمر بالنسبة إلى ميناء "الحديدة" أو بالنسبة إلى غاز "مأرب"؟ 

وماذا ستفعل المحافظات فقيرة الموارد، مثل "صعدة" أو "الضالع" أو "المحويت" أو "يافع"، وبماذا ستطالب؟ وما الذي تملكه من أوراق ضغط على المركز للانصياع لمطالبها؟

ولذلك فإن الخطر، كما أرى، لا يبدأ عندما تطرح المطالب، سواء من حضرموت أو عدن أو مأرب أو الحديدة أو أبين أو الضالع، وغيرها من المحافظات اليمنية، وإنما عندما يغيب المعيار الذي يحكم الاستجابة لها.

وعليه، يصبح من الضروري التمييز بين "الحق المحلي" و"الوظيفة الوطنية" للثروة السيادية. 

فمن الطبيعي تماماً أن تشعر المحافظات المنتجة للموارد بأنها تستحق نصيباً عادلاً من عائداتها خدمة لناسها، خصوصاً عندما تتحمل أعباء بيئية وخدمية وأمنية مرتبطة بعملية الإنتاج.

بيد أن الموارد السيادية بحكم تعريفها لا تنتمي إلى الجغرافيا التي تخرج منها فحسب، بل إلى الكيان الوطني الذي يمنحها صفتها القانونية والسياسية. 

ولذلك، فإن أي معالجة جادة لهذه الإشكالية التي تثير ردود فعل متباينة وغاضبة في آن معاً، لا يمكن أن تقوم على منطق الغلبة أو الضغط أو فرض الوقائع، 

بل على معادلة متوازنة تجمع بين "حق المجتمعات المحلية" في التنمية والاستفادة، و"حق الدولة" في الحفاظ على وحدة مواردها ووظائفها السيادية.

غير أن المشكلة في تقديري لا تكمن في المبدأ بقدر ما تكمن في غياب الآليات التي تجعله قابلاً للتطبيق. فحين تتراجع الشفافية في إدارة الموارد، وتغيب المعايير الواضحة لتوزيع الإيرادات على نحو عادل ومُنصف، تنشأ بطبيعة الحال مشاعر الغبن والشكوك المتبادلة. 

ويغدو من السهل على أي طرف أن يعتقد أنه يتحمل أكثر مما يحصل عليه، أو أنه يمنح أكثر مما يتلقى في وضع مأزوم على المستويات والصعد كافة.

وفي مثل هذه البيئات المأزومة التي تفتقد الحسم، لا تنمو الثقة، بل تنمو السرديات المتنافسة حول المظلومية والاستحقاق. 

ومع مرور الوقت تتحول هذه السرديات إلى وقائع سياسية مؤثرة، فتبدأ كل منطقة في صياغة روايتها الخاصة للعدالة، بمعزل عن الرواية الوطنية الجامعة.

تظهر - هنا - إحدى أخطر المفارقات التي تواجه الدول الهشة. فحين تعجز المؤسسات عن إنتاج العدالة، لا يختفي الطلب عليها، بل ينتقل إلى مستويات أخرى. فالإنسان لا يتخلى عن حاجته إلى الإنصاف، وإنما يبحث عنه في مكان مختلف.

ولهذا تبدأ السلطات المحلية مع مرور الوقت في بناء شرعياتها الخاصة المستندة - على نحو ما وبأي قدر متاح - إلى قدرتها على الدفاع عن مصالح مجتمعاتها المباشرة. 

ومع كل إخفاق للمركز في إدارة الموارد أو الخدمات على نحو مُنصف وعادل، تزداد جاذبية هذه الشرعيات البديلة، حتى وإن لم تكن تعلن صراحة رغبتها في تجاوز الدولة أو استبدالها.

ولهذا، فإن التلويح بإيقاف التصدير أو الامتناع عن توريد الإيرادات لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد أداة ضغط سياسية، بل باعتباره دالة على مسار غير عادي يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف. 

لاحظوا معي من فضلكم أن الموارد حين تصبح أداة تفاوض، تتحول السيادة نفسها - بعد ذلك - إلى موضوع تفاوض. 

وعندما تنتقل لغة الخطاب من المطالبة بالحقوق إلى التهديد بأدوات التعطيل، فإننا لا نكون أمام خلاف مالي فحسب، بل أمام تحول تدريجي في طبيعة الدولة ووظائفها. 

ذلك أن الدولة الحديثة لا تقوم على تعدد مراكز القرار السيادي، وإنما على وجود مرجعية وطنية واحدة قادرة على إدارة التباينات والاختلافات ضمن إطار قانوني متفق عليه.

ولعل ما يزيد من حساسية هذه اللحظة المعقدة أن خطورتها لا ترتبط بحضرموت وحدها، فالقضايا السياسية الكبرى أتصور أنها لا تُقاس بأثرها المباشر، بل بقدرتها على التحول إلى سوابق قابلة للتكرار. 

فإذا أصبح من المقبول أن ترتبط إدارة الموارد بمنطق التفاوض المنفصل لكل محافظة، فإن الباب سيفتح أمام نماذج مشابهة في مناطق أخرى، 

في حين أن المناطق التي تفتقر إلى الموارد ستجد نفسها في مهب الريح كـ"صعدة" على سبيل المثال أو "الضالع" أو "البيضاء" أو "يافع" أو "المحويت". 

وعندها لن تعود الدولة إطاراً وطنياً جامعاً للموارد والمصالح، بل شبكة معقدة من التفاهمات الموقتة بين وحدات تسعى كل منها إلى تعزيز مكاسبها الخاصة. 

وفي هذه الحالة سيتراجع مفهوم المواطنة لمصلحة مفاهيم الانتماء المناطقي والاقتصادي الضيق.

وإذا كان هذا المسار يحمل أخطاراً كبيرة على بنية الدولة إذا ما تُرك دون حسم، فإنه يحمل أخطاراً أكبر على مشروع استعادتها.

 فالمعركة التي يخوضها اليمنيون منذ أعوام لم تكن في جوهرها معركة جغرافيا ضد جغرافيا، ولا منطقة بثرواتها ضد أخرى بلا ثروات، بل كانت معركة حول فكرة الدولة نفسها. 

وقد تأسست شرعية هذه المعركة على رفض الانقلاب المسلح الذي سعى إلى إخضاع الدولة لمنطق القوة.
 
بيد أن استعادة الدولة لا تكتمل بمجرد إسقاط الانقلاب أو مقاومته على طريق إسقاطه، بل تتطلب أيضاً معالجة الاختلالات التي جعلت الدولة أصلاً عرضة للتآكل والانهيار.

ولهذا كله لا تبدو الإجابة الحكيمة كامنة في رفض مطالب الأطراف صاحبة الثروات أو الانصياع الكامل لها، لأن كلا الخيارين يعالج الأعراض دون الأسباب.

المطلوب في تقديري هو إعادة بناء مفهوم الدولة باعتباره عقداً عادلاً ومنصفاً بين جميع مكوناتها الغنية والفقيرة على حد سواء، عقداً لا يحول الموارد إلى أدوات ابتزاز أو مساومة، 

ولا يترك المجتمعات المحلية الفقيرة في فراغ يدفعها للبحث عن عدالتها خارج مؤسساتها الوطنية.

 فالدولة التي تستحق البقاء ليست تلك التي تفرض سلطتها بالقوة، ولا تلك التي توزع الامتيازات لإسكات التوترات، بل تلك التي تنجح في إقناع مواطنيها بأن العدالة داخلها أكثر أمناً وإنصافاً من أي عدالة يمكن البحث عنها خارجها.

وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، تتحول الثروة من "مصدر نزاع" إلى "رافعة تنمية"، وتتحول الجغرافيا من "مساحة تنافس" إلى "فضاء شراكة"، وتغدو السيادة تعبيراً عن إرادة جماعية لا عن موازين قوى متغيرة. 

عندها فقط يمكن الحديث عن دولة لا تُستعاد من خصومها فحسب، بل تُستعاد أيضاً من أزماتها البنيوية التي أضعفتها وأفقدت كثيراً من أبنائها الثقة بقدرتها على تحقيق العدل والإنصاف.

سامي الكاف
 صحافي وكاتب يمني