Logo

السلام الإقليمي وفرصة اليمن التاريخية

 تتجه الأنظار اليوم إلى الحراك الدبلوماسي المتسارع الهادف إلى إطفاء بؤر التوتر في المنطقة، وفي مقدمة ذلك المحادثات الأمريكية الإيرانية والجهود المتواصلة التي تبذلها باكستان وعدد من الدول العربية لدفع مسار التهدئة وتعزيز فرص الاستقرار. 

وتوحي المؤشرات بأن هناك إرادة متنامية للتوصل إلى تفاهمات تعالج القضايا التي كانت سبباً في اندلاع الصراعات وما ترتب عليها من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية أثقلت كاهل دول المنطقة والعالم.

وفي خضم هذه التحولات، تبرز اليمن باعتبارها أكثر الدول حاجة إلى اغتنام هذه اللحظة التاريخية. فبعد سنوات طويلة من الحرب والمعاناة الإنسانية والتراجع الاقتصادي والانقسام السياسي، 

أصبح السلام ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل، كما أصبح مطلباً إقليمياً ينسجم مع التوجهات الجديدة نحو الاستقرار والتنمية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الشعب اليمني يمتلك طاقات استثنائية وقدرات هائلة على الصبر والتكيف والعطاء.

 غير أن هذه الطاقات استُنزفت خلال أكثر من عقد من الصراعات والحروب المريرة التي غذّتها التباينات الداخلية والتجاذبات الإقليمية،

 فوجد اليمنيون أنفسهم وقوداً لمعركة طويلة استنزفت الإنسان والاقتصاد ومقومات الدولة. وإذا كانت بعض الأطراف قد جرّبت اليمنيين في ميادين الحرب والصراع، فإن الوقت قد حان لتجربتهم في ميادين السلام والبناء والتنمية.

فالشعب اليمني طاقة خلّاقة في مختلف المجالات؛ في التجارة والاستثمار، وفي التعليم والإدارة، وفي الإبداع وريادة الأعمال، وفي بناء الشراكات الاقتصادية التي تعود بالنفع على الجميع. 

وما إن تتوفر بيئة مستقرة وآمنة حتى تتحول هذه الطاقات الكامنة إلى قوة إنتاج وتنمية قادرة على إحداث نهضة حقيقية لا يستفيد منها اليمن وحده، بل تمتد آثارها الإيجابية إلى دول الجزيرة العربية والمنطقة بأسرها.

إن نجاح أي تفاهمات إقليمية لن يكتمل أثره ما لم ينعكس إيجاباً على الملف اليمني، من خلال تثبيت وقف شامل ودائم لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية جامعة تستوعب جميع القوى الوطنية، وتعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس الشراكة والعدالة وسيادة القانون. 

كما أن معالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية العاجلة، وفي مقدمتها صرف الرواتب وتحسين الخدمات وإعادة الإعمار، تمثل مدخلاً أساسياً لترسيخ الثقة وتحويل السلام من مجرد اتفاق سياسي إلى واقع ملموس يشعر به المواطن.

كما تمتلك دول الجزيرة العربية فرصة استثنائية للاستثمار في السلام عبر إطلاق مشاريع تنموية مشتركة، وتعزيز التكامل الاقتصادي، ودعم جهود إعادة الإعمار، بما يحول المنطقة من ساحة للصراعات إلى فضاء للتعاون والازدهار. 

فالأمن والاستقرار لم يعودا خياراً سياسياً فحسب، بل أصبحا شرطاً ضرورياً لتحقيق التنمية المستدامة وجذب الاستثمارات وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال القادمة.

إن السلام الحقيقي لا يقوم على غياب الحرب فقط، بل على إطلاق طاقات الشعوب وتمكينها من الإبداع والإنتاج والمشاركة في صناعة المستقبل. 

واليوم تقف اليمن والمنطقة أمام فرصة قد لا تتكرر كثيراً؛ فرصة لإسدال الستار على سنوات عجاف أنهكت الشعوب واستنزفت الموارد، وفتح صفحة جديدة عنوانها الحوار والتعاون والتنمية. 

ومن هنا فإن المسؤولية تقع على عاتق جميع الأطراف لالتقاط هذه اللحظة التاريخية، واستكمال حلقات السلام، وتحويل التفاهمات السياسية إلى إنجازات ملموسة تؤسس لعهد من الاستقرار والرخاء، وتجعل من اليمن شريكاً فاعلاً في صناعة مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً له وللمنطقة بأسرها. 

✍️ أ .  أحمد لقمان
      سياسي يمني