اليمن والسقوط في الهاوية
متى تسقط القيم والمبادئ من الأوطان ، متى تصبح الجريمة محتوى رائج، ومتى يسقط المجتمع أخلاقيا؟
من يقول بالبعد عن الدين كذاب نحن لسنا أنبياء، ولسنا ملائكة، نحن نسيج مجتمعي حين ينهار تماسكه يسقط كل شيء، وكم من دول بلا أديان وتنعم بالسلام ونسبة الجريمة والانحدار الأخلاقي لا يصل إلى ما وصلنا إليه، نحن بكل جدارة في الصدارة.
لماذا نغالط أنفسنا، تسقط القيم والمبادئ والأخلاق وتنتشر الجريمة حين تغيب الحقوق، ويصبح الفقر سيرة ذاتية معقلة على عتبات البيوت، وندوب واضحة على جبين كل رجل، وخيالا في أحلام الأطفال ويقظتهم،
ومجرد ترند يتصدر مواقع التواصل وشريط لا تستغربه القنوات الإخبارية، هذه هي حصيلة الحروب في كل زمان ومكان.
مخطئ من يعتقد أن نيران الحروب تتوقف حين تنفذ آخر طلقة وأن مآسيها تنتهي مع نهاية آخر روح نزفت دماؤها، وأن الكوارث التي تصنعها الحروب مرتبطة بدوي الإنفجارات وأن رائحة الخوف تغادر المدن لمجرد اختفاء أدخنة البارود.
الحياة بعد الحروب أشد خطورةً وأكثر قسوة، وأكثر بشاعة، لقد نهض الشعب اليمني من بين الركام ، نعم نهض، لكنه نهض ممزقا منكسرا تائها،
العيش بين الأنقاض كان مكلفا، والسعي خلف المجهول صار متاهةً مرعبة ، تخيل أن تستيقظ من بين الركام وقد فقدت كل شيء، أمانك واستقرارك وحتى قيمة الخبز والماء والكهرباء والدواء وتبدلت ملامح كل شيء.
إن مآسي الحروب تشبه سلسلة من حقل إلغام تمتد في طريقٍ لا نهاية له، وهذا وضع اليمن فالمسافة بين آخر ركام وأول محطة لنجاتها ملغومة بالخطر ومحاطة بالكوارث، ففي كل خطوة يخطوها الشعب كارثة وفي محاذاة كل رصيفٍٍ قنابل موقوتة.
شعبٌ وجد نفسه ينام على أصوات الرصاص واستيقظ على أصوات الخوف، وامتداد الطوابير، وتوالي الأزمات ولعبة أسعار الصرف وكل هذا وهو بدون رواتب، بدون راتب لسنوات وضع تحت هذه النقطة ألف خط أحمر ودموع لا تنتهي.
ماذا تتوقع هل هذه القنابل الأخيرة للحرب؟! لا وبكل ثقة وأسف، لقد كابر الشعب وتكيف على الخوف ومع شمس الطوابير وكل ألعاب الحرب القذرة ونسي لسنوات
أمر الراتب، بدأ يبيع ما يملك شيئا فشيئا، وبدأ يفقد انتماءه للأشياء حتى نفسه فقدها، وبقي مجبرا أن يبقى على قيد البقاء كيفما كانت صورة البقاء تلك،
وكل قصة من قصصنا المؤلمة هي صورة حقيقة لهذا البقاء، قصتك أنت صورة من صور البقاء البائسة إن لم تكن إجبارية، عليك فقط أن تكبر الصورة.
فئةٌ كبيرةٌ ضاعت مبكرا لأنها لم تجد ما تبيعه، كان الضياع الاتجاه الوحيد الذي يسمح لهم بالعبور،
لقد أصبح البيع عادة، وأصبح الوطن ساحة للبيع والشراء، دعونا من البيعات الكبيرة فلها متخصصون بها، نتحدث عن بيع البيوت والأثاث و.... بيعات المساكين الذين لا نصيب لهم من هذا الوطن سوى اسمه في هوياتهم. بعد كل مزاد
كان الضياع ينتظر البائسين ممن نفذ رصيد صبرهم، المكابرين أيضا، وأولئك الذين شدوا على خصور كرامتهم طويلا، واستسلموا مثل من سبقهم..
أين ذهب هؤلاء؟! هؤلاء هم الألغام وهؤلاء هم القنابل التي تنفجر بين الحين والآخر، هؤلاء تصنعهم الحروب ليمثلوا أشكال السقوط في كل المجتمعات
في اليمن كثرة القتلة وانشتار السقوط الأخلاقي، والدمار الأسري، قصص الانتحار، الهروب من الحياة، كلها نتيجة الحروب وكلها شكل من أشكال السقوط في الهاوية.
للحديث بقية....
✍️ أ . آزال الصباري
كاتبة وناشطة يمنية