Logo

بين الشعارات وضياع الوطن

 ما لم نكن صرحاء مع أنفسنا، وواقعيين في تشخيص أزمتنا، ونسمِّ الأشياء بأسمائها كما هي، فسنبقى نحن اليمنيين تائهين في قلب التيه؛ نسير بلا وجهة واضحة، ونعيش بلا مشروع وطني جامع، ونفقد الأمل تدريجيًا حتى يصبح التشرد داخل الوطن أو خارجه قدرًا يفرضه الواقع لا خيارًا نريده.

لقد طال زمن الهروب من مواجهة الحقيقة، حتى أصبحت القضايا الكبرى تُدفن تحت ركام المعارك الجانبية، ويُدفع الناس إلى الانشغال بكل ما يثير الجدل، بينما الوطن يتآكل، والمجتمع يتشظى، والإنسان اليمني يدفع الثمن كل يوم.

وفي هذا السياق، تبدو القضايا المثيرة للجدل – مثل قضية "سمية أرحب" أو "ميرة تكريت" – جزءًا من حالة الاستقطاب التي تُغرق الرأي العام في تفاصيل جانبية، بصرف النظر عن حقيقة تلك القضايا أو أبعادها الإنسانية التي ينبغي أن تُتناول بإنصاف واحترام لكرامة الإنسان.

 فالمأساة الحقيقية هي أن تتحول مثل هذه الملفات إلى وسيلة لإشغال الناس عن الأسئلة المصيرية: أين يتجه اليمن؟ وكيف يُنقذ الإنسان اليمني؟ وكيف تستعاد الدولة؟

إن ما يبعث على القلق هو أن مسار الأحداث يدفع بالبلاد نحو مزيد من الانحدار، حتى يبدو وكأن المطلوب هو الوصول إلى قاعٍ يصبح الصعود منه أكثر صعوبة. وعندما تُدار الصراعات بمنطق الانتقام والكراهية، وتغيب القيم والأخلاق، فإن الخاسر الأول والأخير هو الوطن.

اليوم يقف اليمن أمام معسكرين متخاصمين، لكل منهما شعاراته، لكن الواقع يقول إن سنوات الصراع لم تُنتج مشروعًا وطنيًا جامعًا، ولم تُنهِ معاناة الناس، بل عمّقت الانقسام، وأطالت أمد الحرب، ووسّعت دائرة الفقر والجوع والنزوح، حتى أصبح الوطن كله مهددًا بالتشظي۔

في إحدى الساحات ارتفعت كلمة "الكرامة" شعارًا. والكرامة قيمة عظيمة لا يختلف عليها اثنان، لكنها لا تكتمل إلا إذا كانت كرامة الإنسان مصونة أينما كان، دون تمييز أو انتقائية. فالكرامة لا تتجزأ، ولا يجوز أن تُطلب لفئة وتُحجب عن أخرى، أو أن تُرفع شعارًا بينما يعيش ملايين اليمنيين تحت وطأة الفقر والجوع وفقدان أبسط مقومات الحياة.

وفي الساحة المقابلة ارتفعت مفردة "نعال"، وهي كلمة حملها كثيرون بوصفها خطابًا جارحًا يزيد من حدة الاستقطاب والانقسام. وعندما تتحول اللغة إلى أداة للإهانة بدلاً من الحوار، فإنها لا تهدم خصمًا بقدر ما تهدم جسور التفاهم بين أبناء الوطن الواحد.

وهكذا وجد اليمنيون أنفسهم بين شعارات متقابلة، بينما بقيت قضاياهم الحقيقية مؤجلة: بناء الدولة، وإنهاء الحرب، واستعادة الاقتصاد، وتحقيق العدالة، وحفظ كرامة المواطن، وصون وحدة المجتمع.

إن المعركة الحقيقية ليست معركة الكلمات، بل معركة إنقاذ اليمن. وليست المنافسة على من يرفع الشعار الأعلى صوتًا، وإنما على من يقدم مشروعًا يوقف نزيف الدم، ويحفظ كرامة الإنسان، ويعيد للوطن استقراره.

ختاما:
إن الأوطان لا تُبنى بالشعارات الجارحة، ولا تنتصر بالمفردات التي تزرع الكراهية، وإنما تُبنى بالحكمة، والاحترام، والاعتراف المتبادل، وتقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار آخر.

وحين تصبح كرامة كل يمني هي المعيار، بعيدًا عن الاصطفافات والانقسامات، يكون الوطن هو المنتصر. أما إذا ظل الخطاب قائمًا على الإهانة والتخوين والاستقطاب، فلن يكون الخاسر إلا اليمن، وسيظل أبناؤه يدفعون ثمن صراعٍ طال أمده، حتى كاد يلتهم حاضرهم ومستقبل أجيالهم.

* أ. فيصل بن أمين أبو راس
برلماني وسفير سابق