Logo

الحوثية كمثال... محاولة الجماعات الدينية المتطرفة السيطرة على المستقبل

 الأيديولوجيات الدينية المتطرفة حين تفشل في الإجابة عن أسئلة الواقع، فإنها نادراً ما تنظر إلى إخفاقاتها بوصفها فرصة للمراجعة وإعادة التفكير، بل تتعامل معها باعتبارها مبرراً للانكفاء نحو الماضي والاحتماء بسردياته.

لاحظوا معي أن العقل المؤدلج لا يرى في الفشل دليلاً على قصور الفكرة، وإنما يراه نتيجة لمؤامرات خارجية أو لابتعاد الناس عن "النموذج المثالي" الذي يتصوره.

من هنا يصبح التاريخ، لا باعتباره خبرة إنسانية قابلة للتأمل والنقد، بل بوصفه مستودعاً للرموز والأساطير، ملاذاً نفسياً وسياسياً يسمح بإخفاء عجز الحاضر وتأجيل مواجهة الأسئلة الحقيقية التي تفرضها حياة الناس اليومية.

تتحول الحكاية القديمة، من هذه النقطة المشار إليها أعلاه، إلى أداة سلطة، ويصبح استدعاء الماضي بديلاً عن إنتاج المستقبل، فبدلاً من البحث عن حلول لمشكلات "الفقر" و"التعليم" و"التنمية"، يجري استحضار معارك مضت وشخصيات تاريخية وسرديات انتقائية تمنح الجماعة الأيديولوجية شعوراً بالتفوق الرمزي وتعوض عجزها العملي.

لا يكون الماضي في هذا السياق مادة للوعي، وإنما وسيلة لتجميد الوعي، إذ يُدفع المجتمع إلى الانشغال بالرموز والشعارات بينما تتراكم الأزمات الحقيقية بعيداً من أي معالجات عقلانية، وكأن التاريخ قد تحول إلى ستار كثيف يُخفى خلفه الفراغ السياسي والفكري.

لا يقف الأمر في تصوري عند حدود العلاقة بالماضي، بل يمتد إلى طبيعة النظرة إلى الحقيقة ذاتها، فالجماعات الدينية المتطرفة، مهما اختلفت شعاراتها وانتماءاتها، تتشارك في تصور مغلق يعتبر الحقيقة ملكية حصرية لا مجال فيها للتعدد أو الاجتهاد، ومن ثم يصبح الاختلاف تهديداً، لا ظاهرة طبيعية في المجتمعات البشرية.

وحين تُختزل الحقيقة في جماعة بعينها، يتحول المجال العام من مساحة للتعايش المشترك والتنافس السلمي إلى ساحة صراع دائم، لأن الاعتراف بالآخر يصبح في نظر هذه الجماعات الأيديولوجية تنازلاً عن "حق مقدس"، لا ممارسة سياسية تفرضها طبيعة الحياة المشتركة بين البشر.

وفي اليمن تبدو الحوثية، ضمن هذا السياق، تعبيراً واضحاً عن هذا النمط من التفكير المغلق، فالمسألة لا تتعلق بمشروع سياسي يتنافس مع غيره داخل إطار وطني مشترك، وإنما ببنية فكرية تقوم على ادعاء امتلاك حق يتجاوز إرادة المجتمع نفسه.

ولذلك، لا تظهر المشكلة في وجود اختلاف سياسي طبيعي، بل في تصور يجعل الشرعية امتيازاً سابقاً على إرادة الناس، ويمنح الانتماء السلالي أو الحق المدعى صفة تعلو على العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، بما يحول السياسة من "إدارة للاختلاف" إلى "وسيلة لإخضاعه".

من الطبيعي أن يفضي هذا التصور إلى إعادة تعريف الخصم السياسي بوصفه "خصماً وجودياً" لا "شريكاً محتملاً" في الوطن، وحين تُمنح السياسة طابعاً مقدساً، يصبح العنف قابلاً للتبرير باسم الدفاع عن العقيدة أو الحق المزعوم.

من هنا ظهرت فتاوى التكفير وأحكام الردة باعتبارها أدوات تمنح الصراع السياسي غطاء دينياً، فتحول الخلاف إلى مبرر لاستباحة الدماء واجتياح المدن وتدمير المنازل ودور العبادة ونهب الممتلكات، 

وفي مثل هذه البيئات يفقد الإنسان قيمته الفردية، ويصبح مجرد رقم في معركة تدور باسم شعارات كبرى لا تترك مكاناً لحق الحياة أو كرامة البشر.

لا يبدو الفارق، في جوهر الأمر، كبيراً بين الحوثية وغيرها من التنظيمات/الجماعات الدينية المتطرفة التي عرفها العالم الإسلامي في العقود الأخيرة مثل "الإخوان المسلمين" من قبل و"القاعدة" و"داعش" و"بوكو حرام" من بعد،

 فالاختلاف في الأسماء والشعارات لا يلغي وحدة المنهج القائم على تحويل "المقدس الديني" إلى "وسيلة عنف"، وتحويل الخصم إلى عدو مطلق.

في الواقع أثبتت التجارب أن الجماعات التي تحتكر الحقيقة تتشابه في نتائجها مهما اختلفت مرجعياتها، لأنها تنطلق من منطق واحد يرفض التعدد ويستبدل مفهوم "المواطنة" بمنطق "الولاء العقائدي"، فينتهي الأمر دائماً إلى إنتاج الانقسام وإعادة تدوير الصراع.

بيد أن أخطر ما تقوم به الأفكار المتطرفة لا يقتصر على إدارة الحاضر، بل يتجاوز ذلك في تقديري إلى محاولة السيطرة على المستقبل نفسه، فالجماعات المؤدلجة تدرك أن استمرارها لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بإعادة تشكيل وعي الأجيال الجديدة.

ولذلك، يصبح الاستثمار في الأطفال والناشئة جزءاً أساسياً من مشروعها، ليس بهدف تنمية قدراتهم أو توسيع مداركهم، بل من أجل إنتاج نسخ جديدة تحمل التصورات ذاتها، بما يضمن بقاء الفكرة حتى لو تغيرت الظروف وتبدلت القيادات.
 
لا يمكن النظر، من هذه الزاوية الموضحة أعلاه، إلى ما يسمى المراكز الصيفية والدورات الثقافية الحوثية في المناطق الواقعة تحت سيطرتها باعتبارها أنشطة تعليمية بريئة أو محايدة، فحين يُعزل الطفل عن بيئته الطبيعية، ويُغذى بخطاب قائم على الكراهية والتمييز وتخوين المجتمع،

 فإن المسألة تتجاوز حدود الاختلاف الفكري إلى إعادة تشكيل الإنسان نفسه.

تكمن هنا المأساة الحقيقية، لأن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس تدمير الحجر، وإنما إصابة الوعي بالتشوه، فالخراب المادي يمكن إصلاحه خلال أعوام، 

أما الخراب الذي يستقر في النفوس والعقول فيحتاج إلى أجيال عدة كي تستعيد المجتمعات توازنها وقدرتها على الثقة بذاتها وبالآخرين.

ولذلك فإن معركة اليمن لا تبدو مجرد مواجهة سياسية حول السلطة أو النفوذ، بل تبدو في جوهرها معركة تتعلق بطبيعة الدولة ومعنى الاجتماع الإنساني نفسه،

 فالدولة المدنية ليست مجرد جهاز إداري أو مؤسسات بيروقراطية، وإنما إطار أخلاقي وقانوني يسمح بتنظيم التعدد وحماية الحقوق على أساس المواطنة المتساوية.

في غياب هذا الإطار، تتحول الانتماءات الضيقة إلى بدائل للدولة، ويصبح المجتمع أسيراً لصراعات لا تنتهي، لأن الولاءات ما قبل الوطنية لا تستطيع أن تنتج استقراراً دائماً أو عدالة جامعة.

وعليه، تبرز الحاجة إلى تحصين المجتمع اليمني ضد خطاب الكراهية والتخوين والتكفير، بوصفه ضرورة وجودية لحماية النسيج الوطني، 

فالمجتمعات لا تعيش بالقوة وحدها، وإنما تعيش أيضاً بما تمتلكه من قيم مشتركة تسمح لأفرادها بالاختلاف من دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب.

في الواقع إن "قبول الآخر" و"احترام التنوع" وإحياء "قيم التسامح" ليست شعارات أخلاقية مجردة، بل شروط أساسية لبقاء المجتمع متماسكاً وقادراً على تجاوز جراحه واستعادة ثقته بنفسه.

ولهذا كله، لا تبدو استعادة الدولة خياراً بين خيارات متعددة، بل ضرورة تاريخية وأخلاقية وإنسانية، فالدولة، بمعناها الحديث، ليست انتصاراً لفئة على أخرى، وإنما انتصار لفكرة "المساواة" و"العدالة" و"سيادة القانون" وحق الجميع في العيش داخل وطن يتسع لتنوعهم واختلافاتهم.

في نهاية المطاف أرى أن ما يحتاجه اليمنيون اليوم ليس غلبة جديدة تعيد إنتاج المأساة بأسماء مختلفة، بل تأسيس فضاء وطني يقوم على الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية، لأن الأوطان لا تُبنى بالقهر، وإنما تُبنى حين يشعر الإنسان أن كرامته مصونة، وأن مستقبله الآمن يحدده القانون والإرادة الوطنية الجامعة.

سامي الكاف
 صحافي وكاتب يمني