Logo

مزاعم استهداف طائرات التحالف.. حين يصبح الابتزاز وسيلة للهروب من الفشل

في كل مرة تتفاقم فيها الأزمات داخل مناطق سيطرة جماعة الحوثي المصنفة دوليًا في قوائم الإرهاب، يعود الخطاب العسكري إلى الواجهة. تتكرر الإعلانات عن عمليات نوعية، وتُطلق مزاعم باستهداف طائرات أو منشآت، في مشهد يبدو أقرب إلى محاولة صناعة انتصار إعلامي منه إلى تقديم رواية يمكن التحقق منها.

وعند النظر فيما وراء التوقيت، ستكتشف الهدف، فالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تعيش أوضاعًا اقتصادية وإنسانية بالغة الصعوبة، رواتب متوقفة منذ سنوات، وتراجع في الخدمات الأساسية، واتساع رقعة الفقر، إلى جانب مؤشرات على تصاعد التململ الشعبي والقبلي، 

وفي مثل هذه الظروف، يصبح تصدير أزمة خارجية وسيلة مألوفة لإعادة تشكيل أولويات الرأي العام.

الخطاب التصعيدي تجاه المملكة العربية السعودية والتحالف العربي لا يمكن فصله عن هذا السياق، فبدلاً من تقديم حلول لمعالجة الأزمات المعيشية أو الانخراط بجدية في مسار سياسي يخفف معاناة اليمنيين، يتجه الخطاب نحو استدعاء المواجهة العسكرية والإقليمية، وكأنها البديل عن معالجة جذور الأزمة الداخلية.

لكن التجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن أي تصعيد جديد لا يدفع ثمنه سوى اليمنيين أنفسهم، فالهجمات التي شهدها البحر الأحمر ومضيق باب المندب وما تبعها من تطورات عسكرية، انعكست بصورة مباشرة على البنية التحتية والاقتصاد، وأثرت في الموانئ والمنشآت الحيوية، وزادت من تعقيد الوضع الإنساني الذي يعاني منه ملايين المواطنين.

كما أن ربط اليمن بصراعات إقليمية أوسع لا يخدم مصلحة الدولة اليمنية ولا مستقبل شعبها، فكلما تحولت الأراضي اليمنية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية، تراجعت فرص الاستقرار، وازدادت كلفة الحرب على المواطن الذي يبحث عن راتب وخدمة وفرصة حياة كريمة، لا عن جبهات جديدة وصراعات إضافية.

وفي المقابل، فإن أي تهديد لأمن المملكة أو الملاحة الدولية من الطبيعي أن يقابله رد أمني وعسكري، وهو ما يعني أن دوامة التصعيد لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر داخل اليمن، في وقت يحتاج فيه البلد إلى التهدئة وإحياء مسار السلام أكثر من أي وقت مضى.

إن اليمن اليوم بحاجة إلى مشروع ينهي الحرب، لا إلى خطابات توسعها، وبحاجة إلى إدارة تضع معاناة المواطن فوق الحسابات العسكرية والسياسية، لا إلى تحويل أزماته اليومية إلى مادة للاستهلاك الإعلامي أو ورقة في صراع إقليمي.

وفي نهاية المطاف، فإن أي خطاب لا يجيب عن سؤال المواطن اليمني البسيط: متى تتحسن حياتنا؟

 سيظل عاجزًا عن إقناع الناس، مهما ارتفعت نبرة التصعيد، ومهما تعددت البيانات والادعاءات، فالشعوب تقيس نجاح الحكومات بما تقدمه من أمن وخدمات ومعيشة، لا بما تعلنه من انتصارات إعلامية. 

✍️ أ . محمد الصالحي  
        كاتب وباحث يمني