Logo

هل يقترب اليمن من سيناريو جديد؟

 منذ أن هدد الحوثيون باستهداف الملاحة التجارية في البحر الأحمر، ثم اتجهوا لاحقاً إلى تعطيل حركة السفن في مضيق باب المندب، تحولت أنظار المراقبين والمحللين حول العالم إلى ما قد يصبح جبهة ثانية في حرب الخليج، تبعد مئات الأميال عن مسرح المواجهة الرئيس،

 فالتحالف بين "الجمهورية الإسلامية" في إيران وجماعة "أنصار الله" الحوثيين في اليمن وثيق إلى درجة يمكن وصفه بأنه تحالف عضوي، يشبه إلى حد بعيد العلاقة التي تربط "حزب الله" في لبنان و"الحشد الشعبي" في العراق بـ "الحرس الثوري" الإيراني والقيادة العليا للنظام، 

وخلال الأعوام الماضية ظهرت بوضوح درجة التكامل بين هذه القوى، إذ ترى هذه الميليشيات نفسها جزءاً من مشروع "الجمهورية الإسلامية"، وتعمل تحت مظلة القيادة الخمينية.

في اليمن، يمثل الحوثيون النفوذ الإيراني المباشر، ويتلقون توجيهاتهم من طهران، بما في ذلك القرارات المتعلقة بالحرب والسلم،

 وخلال الأعوام الماضية خاضت النخبة الحاكمة في صنعاء مواجهات عدة مع الدولة اليمنية، ومكونات المجتمع اليمني، والسعودية، وإسرائيل، وكذلك بدرجة أقل مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، 

وترى هذه القراءة أن كل تلك المواجهات كانت تُدار بتوجيه من طهران و"الحرس الثوري"، وأن الحوثيين تحولوا إلى قاعدة متقدمة للمشروع الخميني على البحر الأحمر.

وكثيراً ما شهد الغرب نقاشاً حول مدى استقلال الحركة الحوثية عن إيران، فهناك تيار، ارتبط بمقاربة الاتفاق النووي الأول في عهد الرئيس باراك أوباما، رأى في الحوثيين حركة قومية يمنية تعارض السعودية وحلفاءها الأميركيين، ورأى إمكان احتوائهم وإدماجهم في تسوية سياسية تقود إلى الاعتدال، 

وفي المقابل نظر تيار آخر إلى الحوثيين باعتبارهم حركة إسلامية شيعية، مرتبطة عضوياً بالمشروع الخميني في إيران، وتتحرك إقليمياً بصورة تشبه الأحزاب الشيوعية التي كانت تنسق مع موسكو خلال الحرب الباردة.

ومنذ هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شاركت الميليشيات الخمينية في صنعاء بصورة فعالة في حملة القصف المتبادلة بين إيران وإسرائيل، 

ولا سيما خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً، حين استهدفت المدن الإسرائيلية بصواريخ أُطلقت من اليمن عبر البحر الأحمر، وفي كثير من الأحيان مرت فوق الأجواء السعودية.

لكن اللافت أنه خلال حرب عام 2026، التي بدأت في فبراير (شباط) بعد أحداث يناير (كانون الثاني) الدامية، امتنع الحوثيون من استهداف إسرائيل أو القوات الأميركية، بل وحتى المواقع السعودية، طوال أشهر عدة، وهو ما أثار تساؤلات عدة،

 فلماذا لم يشارك الحوثيون في حملة القصف الإيرانية ضد إسرائيل؟ ولماذا لم يعمدوا إلى إغلاق مضيق باب المندب في الوقت الذي أغلق "الحرس الثوري" مضيق هرمز، واستهدف مصالح أميركية؟

طُرحت تفسيرات عدة، لكن التقدير الجيوسياسي يشير إلى أن طهران أرادت إبقاء الحوثيين قوة احتياطية لجبهة جديدة عند الحاجة، وهو ما يفسر صبرهم طوال تلك الفترة، فقد قامت "الجمهورية الإسلامية" بتفعيل "حزب الله" جزئياً على الجبهة الشمالية لإسرائيل، 

لكنها أبقت الحوثيين خارج المعركة المباشرة إلى حين تهيؤ الظروف المناسبة، وفي تلك المرحلة ركزت طهران على مطالبها المتعلقة ببقاء النظام، وعلى الجوانب المالية، وضمان بقاء "حزب الله" في لبنان، أكثر من تركيزها على الدور الحوثي،

 وهنا يبرز هنا سؤال آخر: لماذا لم تُدرج طهران الملف الحوثي ضمن محادثاتها مع المبعوثين الأميركيين؟

توجد تفسيرات عدة لذلك، أولها أن قيادة النظام سعت أولاً إلى ضمان مصالحها المباشرة، وعلى رأسها الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ولا سيما مبلغ الـ 24 مليار دولار الذي قيل إن الإدارة الأميركية وعدت به، 

وكذلك سعت إلى استعادة عائدات صادرات النفط والغاز بعد رفع القيود، إضافة إلى تأمين عقود ضمن استثمارات يُقدر حجمها بنحو 300 مليار دولار، كان من المفترض التفاوض عليها بين الولايات المتحدة و"الجمهورية الإسلامية".

وبحسب هذه القراءة فقد كان النظام الإيراني يركز على الحصول على حزم مالية واتفاقات اقتصادية نصت عليها مذكرة التفاهم،

 لكن إدارة الرئيس دونالد ترمب طالبت طهران بتنفيذ عدد من الالتزامات الواردة في المذكرة، وفي مقدمها إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما رفضته إيران،

 ونتيجة لذلك جمدت واشنطن عمليات تحويل الأموال إلى حين تنفيذ طهران التزاماتها، مما دفع الأخيرة إلى استهداف السفن، وهو ما قوبل برد حازم من الرئيس ترمب الذي لوّح بإلغاء الاتفاق ووقف إطلاق النار،

 وعند هذه المرحلة دخلت منطقة الخليج مرحلة جديدة من التوتر، قد تمتد آثارها إلى الإقليم بأكمله.
 
ومع تدهور العلاقة بين القيادة الإيرانية وواشنطن، بدأت تظهر تصريحات من مسؤولين إيرانيين تتحدث عن إمكان لجوء الحوثيين إلى إغلاق مضيق باب المندب، كورقة ضغط على الولايات المتحدة والغرب، 

ويتمثل السيناريو الأكثر تصعيداً في إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، بما يشكل ضغطًاً كبيراً على الاقتصاد العالمي،

 ويبدو أن إستراتيجية "الحرس الثوري" تقوم على دفع الرئيس ترمب إلى تخفيف الضغوط في الخليج، مقابل تهدئة الوضع في البحر الأحمر، أي توسيع رقعة الحرب لتسريع الوصول إلى وقف لإطلاق النار، والعودة للاتفاق الأول مع التركيز على المكاسب المالية،

 ومن هذا المنظور قد يشكل التصعيد في اليمن وسيلة لإعادة فتح باب المفاوضات من موقع أكثر قوة بالنسبة إلى النظام الإيراني، لكن هذه المقاربة أثارت استياء الإدارة الأميركية، نظراً إلى ما قد يترتب عليها من تداعيات إقليمية واسعة،

 فطهران، بحسب هذا التحليل، تخاطر لكنها تقوم بحسابات دقيقة تأخذ في الاعتبار حجم الأخطار المحتملة، ويبقى السؤال المطروح: كيف يمكن أن ينعكس تفعيل الحوثيين مجدداً على الأرض؟ وما هي تداعياته الإستراتيجية؟

في المرحلة الأولى قد يبدأ الحوثيون باستهداف السفن العابرة لمضيق باب المندب، مما سيؤدي إلى شن الولايات المتحدة ضربات على الزوارق السريعة ومنصات إطلاق الصواريخ التابعة للجماعة، 

وفي المقابل قد يلجأ الحوثيون إلى استهداف منشآت سعودية، وربما إماراتية، في شبه الجزيرة العربية، وعندها قد تحصل القوات السعودية على ضوء أخضر لتوسيع عملياتها العسكرية ضد مواقع الحوثيين،

 بما قد يؤدي إلى شلل شبه كامل في حركة الملاحة داخل البحر الأحمر، وربما يدفع القوات الموالية لإيران إلى محاولة التقدم مجدداً نحو عدن للسيطرة على ميناء أكبر على بحر العرب.

ومن شأن هذا السيناريو أن يغير ملامح الصراع في المنطقة، ويفرض على واشنطن والرياض وضع إستراتيجية أوسع لمواجهة النفوذ الإيراني في مضيقي هرمز وباب المندب في آن، 

وهو ما يعني اتساع ساحات القتال، وارتفاع مستوى الأخطار، وربما في نهاية المطاف الوصول إلى إنهاء الحرب عبر تدخل أميركي وغربي واسع النطاق.

وليد فارس
 الأمين العام للمجموعة الأطلسية النيابية