Logo

من هو المستفيد الأكبر من استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية؟

 مع استمرار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وغياب آفاق الحسم سياسيا أو عسكريا، يظل السؤال قائما حول المستفيد الأكبر من استمرار هذه الحرب. إذا كانت الحرب تثقل كاهل ترامب بتبعاتها السياسية والاقتصادية، وتدفع إيران ثمنا باهظا لها من تدمير البنى التحتية وتقويض القدرات الصاروخية، 

فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو أكثر الأطراف قدرة على توظيف واستثمار الصراع لتحقيق مكاسب استراتيجية وسياسية تتجاوز حدود الميدان العسكري.

لا يعني هذا قطعا أن الحرب بلا كلفة على دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يعني أيضا أن نتنياهو لا يريد وضع حد لهذه الحرب، لكن يمكن القول، إنه يرغب ويسعى لأن يكون هناك سقف زمني يحقق له أهدافا استراتيجية تتقاطع فيها مصالحه الشخصية ومستقبله السياسي مع تحقيق أهداف المشروع الصهيوني في المنطقة.

الخطر الإيراني يمثل محورا أساسيا في الخطاب السياسي لنتنياهو، وعليه بنى صورته التي طرح نفسه بها، أنه الأقدر على مواجهة الأخطار الوجودية التي تهدد الأمن الإسرائيلي، وأنه ضمن هذا السياق هو الأقدر على منع إيران من امتلاك قدرات نووية. 

يستثمر نتنياهو ذلك التصعيد بين أمريكا وإيران في إعادة ترتيب أولويات الداخل الإسرائيلي، الذي يميل دائما إلى التراجع المؤقت، في اعتبار الخلافات والأزمات إذا تعلق الأمن القومي الإسرائيلي لتهديدات حادة، 

فيأتي التصعيد الأمريكي الإيراني ليمنح نتنياهو هذه الفرصة الذهبية في الحصول على الدعم والتغافل عن إخفاقاته السياسية ومغامراته العسكرية التي تنعكس بشكل سلبي على النواحي الأمنية والاقتصادية في دولة الاحتلال، ويستعيد به شرعيته السياسية وتعزيز مكانته في موقع الحفاظ على الأمن الإسرائيلي.
 
كما أن هذا الغطاء يؤجل محاسبته على تهم الفساد، ويساعده على تماسك ائتلافه اليميني المتشدد، والذي لا يعترف بالتسويات في كل ما يتعارض مع الأحلام الصهيونية. 

وما يدعم حرص نتنياهو على إطالة أمد الحرب، أن الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر في المواجهة مع إيران والتي تخشى دولة الاحتلال من خوضها منفردة، ما يقلل العبء السياسي والعسكري على نتنياهو وحكومته.

نتنياهو لا يريد الذهاب إلى الانتخابات إلا بعد القضاء بشكل نهائي على الخطر النووي الإيراني، وهو الهدف الذي أعلنه في خوض هذه الحرب،

 ما يعني أن خروج إيران من الحرب، من دون تقويض قدراتها النووية قد يقضي على المستقبل السياسي لنتنياهو، وإن لم يتحقق هذا الهدف سيكون من مصلحته أن يدخل الانتخابات في ظل أجواء التصعيد واستمرار التهديدات الإيرانية، إلى أن يعبر ويتم تثبيت الأوضاع الداخلية بما يُبقي زمام الأمور في يده.

إطالة أمد الحرب الأمريكية على إيران، يحقق مكسبا آخر لنتنياهو في معركة السردية السياسية، حيث أنه قدم إيران باعتبارها الخطر الأكبر على المنطقة، فيأتي استمرار واشنطن في الحرب ليمنح سردية نتنياهو المصداقية. 

من أبرز المكاسب التي يجنيها نتنياهو من استمرار الحرب، نقل مركز الاهتمام العالمي عن غزة، فقبل الحرب مع إيران تعرضت دولة الاحتلال لضغوط وانتقادات بسبب المجازر الوحشية التي ارتكبتها في القطاع، وتزايد الحديث عن التحقيقات الدولية ومحاكمة نتنياهو ورجاله،

 فيأتي التصعيد واستمرار الحرب لتكون له الأولوية لدى المجتمع الدولي لاحتواء الحرب ومنع اتساع رقعتها، بينما تُحجب الأنظار عن ممارسات نتنياهو القمعية التي لا تزال قائمة، 

رغم إعلان وقف القتال، وحشر فلسطينيي القطاع في مساحة جغرافية محدودة، ضمن مخطط التهجير.

فضلا عن ذلك، يتيح استمرار التصعيد لنتنياهو تثبيت أوضاع إسرائيلية في الأراضي العربية تنقل حدود دولة الكيان خارج مساحتها الجغرافية، 

ففي لبنان ورغم التفاهمات التي تمت مع الحكومة اللبنانية، يرفض نتنياهو الانسحاب من الجنوب اللبناني بذريعة القضاء على تسليح حزب الله.

وفي سوريا، لا يكتفي نتنياهو باحتلال الجولان، لكنه لا يكف عن استهداف الجنوب السوري، في الوقت الذي يتم فيه الزحف الاستيطاني التدريجي باتجاه الأراضي السورية. 

وفي الضفة يمارس نتنياهو أعماله القذرة المعتادة في بناء المستوطنات واقتحام الأحياء السكنية واستهداف الفلسطينيين بالقتل والاعتقال، 

بينما تتعاقب وتتوالى محاولات تهويد القدس، ذلك كله يحدث تحت ستائر الدخان، الحرب الأمريكية الإيرانية.

تشير هذه التحولات الخطيرة إلى أن نتنياهو يسعى إلى تكريس واقع إقليمي جديد، تكون فيه دولة الاحتلال صاحبة التفوق العسكري بلا منازع، وتتراجع قوة خصومها بما فيها القوى الاقتصادية الخليجية التي تستنزفها الحرب، 

بما يعني أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرى في استمرار الحرب فرصة لإعادة صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، وهو ما ينسجم مع تطلعات اليمين الإسرائيلي وحلم إسرائيل الكبرى.

لكن سيكون من الخطأ القول إن نتنياهو يريدها حربا طويلة، لأنه كلما طال أمدها عن الحد المناسب لنتنياهو وأطماعه، زادت الكلفة الاقتصادية والأمنية والعسكرية التي تتحملها دولة الاحتلال، وهو الأمر الذي يزيد من الضغوط الداخلية على الحكومة الإسرائيلية.

إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة نفسها ربما تعيد تقييم مستوى الانخراط في هذه الحرب مع ارتفاع الكلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تنعكس على الداخل الأمريكي، ما يضع دولة الاحتلال أمام تحديات غير متوقعة.

 إحسان الفقيه
كاتبة أردنية