Logo

“نظرية الفوضى”.. حين تتخذ إيران من العالم رهينة لها

 تعرف إيران بأن في الحرب التقليدية المباشرة لا قدرة لها على أن تتشبه بالقدرة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية للولايات المتحدة وحلفائها. جيشها يعاني من دونية بنيوية، اقتصادها منهك تحت العقوبات، والنظام يتصدى لضغوط اجتماعية وسياسية داخلية.

غير أن طهران لا تبني استراتيجية بقائها على القدرة للنصر على الغرب في ميدان المعركة، بل على القدرة للإيضاح بأن محاولة إسقاط النظام ستجبي أثماناً لا يمكن للساحة الدولية أن تصمد أمامها.

هذه “نظرية الفوضى الإيرانية”. لا يدور الحديث عن عقيدة رسمية تحمل هذا الاسم، بل عن إطار تفسيري يربط بين أساليب العمل الإيرانية المختلفة: تفعيل الوكلاء، التهديد على مسارات الطاقة والتجارة، استخدام الإرهاب والجريمة المنظمة، حملات سايبر وتأثير، 

وكذا استغلال منظومات مالية غربية لغرض تجاوز العقوبات ولتمويل الأعمال السرية.

الرسالة الإيرانية بسيطة: إذا لم يبقَ النظام على قيد الحياة، فلن يبقى النظام الإقليمي والعالمي على حاله. وبكلمات النكتة المعروفة: “إذا لم أطر فلن يطير أحد”. 

الغرب، حسب هذا المفهوم، مطالب بأن يختار بين معركة هدفها حسم النظام وبين التسليم بإيران كقوة عظمى إقليمية تملك قدرة على المس بمصالح حيوية في أرجاء العالم.

الدائرة الأولى هي الاقتصاد العالمي. فموقع إيران إلى جانب مضيق هرمز يمنحها قدرة على التأثير على أحد شرايين الطاقة الأهم في العالم. وهي غير ملزمة بأن تغلق المضيق تماماً. 

يكفي تهديد على الناقلات، والاستيلاء على سفن، وهجمات موضعية أو خلق خطر أمني كي ترفع أسعار النفط والنقليات والتأمين. 

ومن خلال الحوثيين في اليمن، يمكن لإيران ممارسة ضغط مواز في البحر الأحمر وباب المندب، وتشوش التجارة إلى قناة السويس وتؤثر على سلاسل التوريد العالمية.

الدائرة الثانية هي استقرار دول الخليج والعالم العربي. فالهجوم على قواعد أمريكية ومنشآت نفط وموانئ وصناعات استراتيجية في دول الخليج لا يستهدف فقط إلحاق ضرر مادي،

 إنما يهدف أيضاً إلى خلق حالة خوف في أوساط حكومات المنطقة ودفعها للضغط على واشنطن لوقف المعركة ضد إيران. تقدر طهران -وهي محقة أيضاً- بأن خوف السعودية والإمارات ودول أخرى من الضرر على اقتصادها يؤثر على مستوى الإصرار الأمريكي.

لهذا الغرض، بنت إيران شبكة من الوكلاء والمنظمات المسلحة في لبنان والعراق وسوريا واليمن وقطاع غزة، شبكة تسمح لها بمهاجمة قواعد وسفارات وسفن ومنشآت طاقة بعيدة عن حدودها في ظل الحفاظ على مجال النفي والتشويش على مسؤوليتها المباشرة.

تمس بمناعة الدول

الدائرة الثالثة هي الأمن القومي والمناعة الداخلية للدول الغربية. إيران، وأحياناً بالتوازي مع المصالح الروسية، تسعى لإضعاف وحدة الصف الغربي، وإثارة الخوف من التصعيد وخلق خلافات بين أوروبا والولايات المتحدة. 

ولهذا الغرض، هي تمارس حملات التأثير وتطلق هجمات سايبر تستهدف ضعضعة الثقة بالحكومات، بالحملات الانتخابية، بوسائل الإعلام وبمؤسسات الدولة.

إلى جانب ذلك، اتسع استخدام منظمات الجريمة الدولية. فقد ربطت محافل استخبارات إيرانية بتجنيد مجرمين، وتجار مخدرات وعصابات محلية لغرض المتابعة والإحراق والخطف والاغتيال لمعارضي النظام ولأهداف إسرائيلية وغربية. 

من ناحية طهران، يدور الحديث عن أداة ناجعة: المجرمون متوفرون وبأسعار زهيدة، يعرفون الساحة المحلية ويتيحون عرض أعمال لدولة كجريمة عادية. هذه الجهات ستشعل الغرب والولايات المتحدة في يوم الأمر، وتتسبب بفوضى ترغب إيران فيها جداً.

الدائرة الرابعة هي استغلال البنية التحتية المالية العالمية. شركات وهمية، صرافون، تبييض أموال، مخادعات تجارية، أسطول ظلال وشبكات وسطاء تستخدمهم إيران لتحول الأموال وبيع النفط وشراء العتاد وتمويل الوكلاء والأعمال السرية. 

وهكذا تتحول مواضع ضعف الرقابة في المنظومات المالية الغربية إلى أداة تخدم بالذات من يعمل ضدها. في يوم الأمر، يمكن لهذه الشبكات أيضاً أن تلحق ضرراً كبيراً وتمس بمؤسسات مالية واقتصادية في الغرب.

 إن عقيدة الفوضى لا تدل على أن إيران معنية بالضرورة بحرب عالمية أو بانهيار تام للنظام القائم. الفوضى عندها أداة ردع ومساومة. تسعى طهران لإقناع خصومها بأن إسقاط النظام لن يكون بثمن محلي ومحدود. 

بل سيتوزع الثمن على أسواق الطاقة ومسارات التجارة ودول الخليج والأمن الداخلي والمجتمع الغربي.

هذا مصدر القوة الحقيقي لإيران. ليس القدرة على الانتصار على الغرب، بل القدرة على أن تتسبب له بالخوف من نتائج النصر عليها.

أودي ليفي

إسرائيل اليوم 3/8/2026