Logo

‏بالنسبة للحوثيين، كلفة الهجوم أقل من كلفة التردد

 ‏الحرب ليست حدثًا عابرًا، بل واقعة بواقعة، لكل واحدة منها ما قبلها وما بعدها. 

والجندي الذي التحق بجبهات القتال فعل ذلك ونذر نفسه لأمر من اثنين: نصر أو موت، لكنه لا يفضل أن يزاحمه الموت في العنابر والطوابير إنما في خطوط النار.

‏الضربات الأخيرة الحوثية ضربة موجعة للقوات الحكومية وأيضًا للشارع اليمني المناهض للحوثي، الذي يشعر بأن سنوات التضحيات لم تُترجم إلى نتائج سياسية أو عسكرية تتناسب مع حجم الثمن المدفوع. 

وهذا ما يفسر حالة الغضب التي تتصاعد في أكثر من اتجاه؛ 

غضب نابع من الإحباط، وآخر يتغطى ليستر شماتة ماكرة. وثم ثالث يحاول تزييف الوقائع عبر التهوين مما حدث ويرش على الدم المراق تراب الزيف لا يقصد التجلد ولا التماسك. 

‏الحوثي لا يتحرك لأنه يملك قوة مطلقة، بل لأنه يدرك غياب القوة الرادعة لدى خصومه. 

فهو يهاجم ويصعّد مستفيدًا من هامش مناورة واسع، ومن تراكم في قدراته العسكرية، ومن أيديولوجيا لا تعير كلفة الحرب اهتمامًا كبيرًا. 

ويرى أن قرار خصومه مقيد بحسابات وتحالفات إقليمية تفرض إيقاعها على مسار المواجهة.

‏المشكلة اليوم ليست في امتلاك الحوثي القدرة على الهجوم، بل في عجز الطرف المقابل عن فرض كلفة حقيقية عليه. فلا يوجد طرف يمني مقتدر  على الردع يجعل الحوثيين يعيدون حساباتهم قبل تنفيذ أي عملية عسكرية.

 وحين يغيب الردع، يصبح التصعيد هو الخيار الأكثر منطقية بالنسبة لأي جماعة مسلحة تؤمن بأن الحرب هي الوسيلة المثلى لتحقيق أهدافها.

‏ومن الخطأ البحث عن مبررات تبسيطية لما جرى. فالقول إن الحوثي شن هذه الضربات لأنه تضرر من إجراءات أمنية استهدفت شبكات تهريب السلاح والوقود، 

هو تفسير قاصر واستخفاف بعقول الناس مهما انطوت هذه التبريرات على وجاهة رأي، ليست سببًا كافيًا لتفسير عملية عسكرية بهذا الحجم. الرد عادة يكون بقدر الفعل، 

أما ما جرى فيعكس حسابات استراتيجية تتجاوز مجرد الانتقام من إجراءات أمنية. ثم ان الرد ينم عن تخطيط منذ وقت ومعلومات ميدانية ورصد دقيق. 

‏وفي المقابل، يذهب رأي آخر إلى أن الحوثي يسعى إلى دفع الجميع نحو حرب شاملة، وفق التوقيت والظروف التي يراها مناسبة له. وهذا التفسير يبدو أكثر اتساقًا مع سلوك الجماعة خلال السنوات الماضية.

 فالحوثي لم يتخلَّ يومًا عن خيار الحرب، بل يعتبرها بيئته الطبيعية، وأداته الرئيسية في فرض الوقائع السياسية والعسكرية.

‏وهنا يبرز السؤال الحقيقي: ماذا كان يُنتظر من جماعة مسلحة لا تحكمها اعتبارات الدولة، ولا تلتزم بمنطق المصلحة الوطنية أو الإنسانية؟ 

والأهم من ذلك: ماذا كان يفعل خصومها طوال الفترة الماضية؟ وهل استثمروا الوقت في بناء قوة ردع حقيقية، أم في إدارة الأزمة وتأجيل الانفجار؟

‏ما لا يمكن إغفاله هو أن القوات الحكومية تدفع اليوم جزءً من ثمن طبيعة شراكاتها الإقليمية. فالتحالفات لا تقوم على العواطف، ولا تسير في اتجاه واحد، بل تحكمها المصالح المتبادلة. والقيادة الناجحة هي التي تدير هذه العلاقات بمنطق (رابح – رابح)،

 وتحافظ في الوقت ذاته على استقلال قرارها وقدرتها على حماية مصالحها الوطنية.

‏لا يمكن إيقاف جماعة تؤمن بالحرب إلا إذا أصبحت كلفة الحرب عليها أعلى من مكاسبها. ما دون هذا الشرط،سيواصل الحوثي المبادرة، وسيبقى هو من يحدد توقيت التصعيد، ويوجه ويؤلم.

‏ملحوظة أخيرة، عدد المواقع التي استهدفها الحوثي في مأرب وحضرموت وحجم الخسائر قد يتناسب مع عدد الهجمات التي تعرضت لها فصائل عراقية موخراً. فهل الساحات موحدة إلى هذا الحد الذي أصبحت اليمن هي ميدان الرد؟ 

✍️ أ . مصطفى ناجي الجبزي
      كاتب وباحث يمني