Logo

‏يمن عظيم.. وصراعات صغيرة

 ‏حبى الله اليمن بكل مقومات الدولة العظمى إقليميًا؛ من الموقع الجغرافي الاستثنائي، إلى الثروات والإنسان والتاريخ والثقافة والتنوع التضاريسي والمناخي، وغيرها من المقومات التي قلّ أن تجتمع في بلد واحد، فضلًا عن أن كثيرًا من هذه الخصائص لا تتوافر مجتمعة في أي دولة أخرى في المنطقة.
‏ومع ذلك، ظل اليمن بعيدًا عن موقعه الطبيعي، لا بسبب نقص في الإمكانات، وإنما بسبب جملة من الظروف السياسية الداخلية والإقليمية والدولية التي حالت دون توظيف تلك الإمكانات في بناء دولة قوية وفاعلة.
‏ويمكن اختصار جانب كبير من هذه الإشكاليات في ثلاثة عوامل رئيسية: منظومة الأمن الإقليمي التي فُرضت خلال مرحلة الاستعمار وما بعد الحرب العالمية الثانية، والصراعات الداخلية التي جرى تغذيتها أو توظيفها لخدمة تلك المنظومة، ثم طبيعة السلطة التي ظلت تُدار في كثير من مراحل التاريخ بمنطق التسلط والصراع على النفوذ، بعيدًا عن التخطيط الاستراتيجي القائم على قراءة حقيقية لوقائع اليمن وإمكاناته وموقعه.
‏لكن المعادلة اليوم مختلفة.
‏فالمتغيرات التي شهدتها المنطقة والعالم، وما تزال تتشكل أمامنا، جعلت الإمكانات الطبيعية لليمن تلتقي، للمرة الأولى منذ عقود بل منذ قرون، مع ظروف إقليمية ودولية مواتية يمكن أن تتيح له الخروج من حالة الضعف والتبعية إلى موقعه الطبيعي كدولة محورية، وريادية على الأقل في محيطها في الجزيرة العربية والقرن الأفريقي.
‏غير أن الإشكالية الأكبر التي ما تزال عالقة هي نظرية السلطة والدولة نفسها.
‏فمعظم أطراف الصراع اليمني، رغم اختلاف شعاراتها ومشاريعها، لا تتعامل مع اليمن انطلاقًا من هذه الحقائق الكبرى، ولا تنظر إلى السلطة باعتبارها مجرد وسيلة لإدارة الدولة وتحقيق مصالحها العليا وفق تلك الرؤية، بل باعتبارها غاية بحد ذاتها.
‏وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
‏بلد يمتلك كل هذه الإمكانات والموقع والتاريخ، بينما ينحصر طموح أطراف الصراع في من يسيطر على السلطة، ومن يقاسمها، ومن يفتح مطارًا أو يغلقه، ومن يحصل على حصة أكبر من مؤسسات الدولة ومواردها.
‏وبذلك تحول الصراع من صراع على مستقبل اليمن ومكانته ودوره، إلى صراع على السلطة داخل يمن ضعيف.
‏والأخطر من ذلك أن الطموح الشعبي نفسه تقلص تحت وطأة هذا الواقع. فلم يعد السؤال لدى قطاعات واسعة من اليمنيين: أي يمن نريد أن نبني؟ وما الدور الذي يمكن أن يلعبه بلد يمتلك كل تلك القدرات والإمكانات في المنطقة والعالم؟ بل أصبح السؤال في كثير من الأحيان: من يحكم؟ ومن يسيطر؟ ومن يتقدم أو يتقهقر في هذه  المنطقة أو تلك؟
‏وهنا تحديدًا تكمن مشكلتنا الحقيقية.
‏فعندما ننتقد ونرفع الصوت، فإننا لا نفعل ذلك لمجرد تسجيل موقف من هذا الطرف أو ذاك، وإنما نسعى إلى دفع جوهر الأزمة والصراع اليمني نحو التحول من صراع على أهداف ثانوية ومحدودة، إلى صراع من أجل استعادة اليمن لحقه الطبيعي والتاريخي في القوة والدور والتأثير.
‏نحن بحاجة إلى تغيير فلسفة الصراع نفسها.
‏فاليمن لا يحتاج إلى أن يتقاتل أبناؤه فقط على شكل السلطة، بل يحتاج إلى أن يتفقوا أولًا على أي دولة يريدون، وأي موقع ومكانة يريدون لليمن، وكيف يمكن تحويل إمكاناته الهائلة إلى قوة سياسية واقتصادية واستراتيجية تخدم شعبه وتحمي مصالحه.
‏وهذا لا يعني تجاهل إصلاح السلطة القائمة، بل على العكس؛ فإن الوصول إلى هذا الهدف يتطلب إصلاحًا حقيقيًا لبنية السلطة الوطنية في صنعاء، وتصحيحًا لمسار الدولة، وبناء مؤسسات قادرة وفاعلة، وإنهاء منطق الإقصاء والتهميش، وفتح المجال أمام مشاركة سياسية حقيقية نحو ذلك الهدف لجميع اليمنيين دون استئثار أو احتكار.
‏فلا يمكن بناء يمن قوي بسلطة ضعيفة، ولا يمكن الوصول إلى دولة ذات دور إقليمي وهي تُدار بعقلية الصراع الداخلي وتقاسم النفوذ وتحقيق اهداف ومشاريع صغيرة.
‏وقد يقول البعض، ممن لا يدركون حجم التحولات الجارية، إن الحديث عن يمن قوي وفاعل وريادي ليس أكثر من أحلام بعيدة المنال.
‏لكنني أقول لهؤلاء: أعيدوا قراءة المشهد في المنطقة والعالم، واقرأوا اليمن بعيدًا عن واقع الصراع الراهن، ثم انظروا إلى موقعه وإمكاناته وثرواته وطاقاته البشرية والتاريخية والجغرافية.
‏عندها قد تصلون إلى النتيجة نفسها:
‏اليمن ليس بلدًا ضعيفاً او فقير الإمكانات، وإنما بلدٌ جرى تعطيل إمكاناته.
‏والفرصة التي تلوح اليوم ليست بالضرورة فرصة دائمة. فالتاريخ لا ينتظر أحدًا، والتحولات الدولية والإقليمية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.
‏لذلك فإن المطلوب اليوم ليس التراخي ولا المماطلة ولا الاستمرار في إدارة الصراع بالأدوات القديمة، وإنما إدراك اللحظة التاريخية، وعقد العزم على بناء يمن يتجاوز صراعات السلطة الصغيرة إلى مشروع الدولة الكبيرة. 

✍️ أ .  أزال الجاوي
       سياسي وباحث يمني