عن استنزاف أهم ثروة يمتلكها اليمن
ثمة تهديد غير عادي يواجه اليمن يتجاوز حدود الحرب المباشرة وآثارها الظاهرة، لأنه يتصل بما هو أعمق من خسارة الأرض أو تدمير المؤسسات، ويتعلق بالإنسان الذي سيحمل مستقبل البلاد بعد انقضاء الصراع.
فحين تتحول الطفولة والشباب إلى مادة خام في مشروع أيديولوجي عنيف، فإن الخطر في تصوري لا يقع على الحاضر وحده، بل يمتد إلى "بنية المجتمع" و"وعيه" و"قدرته" على إنتاج مستقبل مختلف.
وفي المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيات الحوثية، يصبح الزج بالأطفال والشباب في مسارات التعبئة والتحريض والعنف صورة من صور مصادرة المستقبل قبل أن يولد.
لاحظوا معي من فضلكم أن الطفل الذي يفترض أن يتعلم، والشاب الذي يفترض أن يكتشف قدراته ويختار طريقه، يجري دفعهما إلى فضاء مغلق تُختزل فيه قيمة الإنسان بمدى استعداده للقتال.
لا تعود القضية هنا مجرد تجنيد، بل قطيعة أخلاقية ومعرفية مع أبسط شروط الحياة الطبيعية.
خطورة هذه القطيعة تزداد حين تتجلى أمام المجتمع مفارقة صارخة في سلوك غالبية القيادات الحوثية، إذ تحرص على توفير التعليم والرعاية والأمان لأبنائها، بينما يُدفع أبناء الأسر الأخرى إلى بيئات التعبئة والعنف والأخطار.
هذه المفارقة لا يمكن التعامل معها بوصفها تناقضاً عادياً، لأنها تكشف إدراكاً لطبيعة ما يُفعل بالآخرين، حين تُحفظ حياة أبناء النخبة للميليشيات الحوثية وتُستنزف أعمار أبناء المجتمع.
ومن منظور إنساني، فإن قيمة الطفل لا تتغير بتغير أسرته أو منطقته أو موقع والده الاجتماعي، كما أن حقه في التعليم والأمان ليس امتيازاً تمنحه الجماعة لمَن تشاء وتحجبه عمن تشاء.
لذلك فإن حماية الأبناء من التجنيد ليست موقفاً سياسياً فحسب، بل دفاعاً عن مبدأ أخلاقي أساسي: لا يجوز أن تكون حياة طفل ثمناً لـ"مشروع" لم يختره، ولا أن تتحول طفولته إلى "وسيلة" لتحقيق أهداف الآخرين.
وفق هذا المعنى، المشار إليه أعلاه، تبدأ مسؤولية الأسرة، في المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيات الحوثية، لا باعتبارها قادراً وحيداً على مواجهة منظومة كاملة
وإنما باعتبارها الحصن الأول الذي يستطيع أن يقول للابن إن حياته أوسع من الحرب، وإن مستقبله لا يتحدد بالبندقية.
الأبناء أمانة، والأمانة تقتضي أن يُفتح أمامهم طريق التعليم والعمل والمعرفة، لا طريق الجبهة والموت.
فالشاب الذي يمكن أن يصبح طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو معلماً أو صاحب مشروع، يمثل قيمة حقيقية لأسرة تحتاجه ومجتمع ينتظره ووطن يحتاج إلى طاقته.
أما اختزاله في مقاتل، فهو إهدار لاحتمالات إنسانية واسعة لا يمكن تعويضها.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، فإن مقاومة التجنيد تبدأ بإعادة تعريف النجاح في "وعي" الشباب: النجاح ليس أن يموت الإنسان في معركة، بل أن يمتلك القدرة على بناء حياته، وخدمة أسرته، والمساهمة في مجتمعه، وصناعة أثر يبقى بعده.
وإذا كان الطفل مكانه الطبيعي المدرسة، والشاب جامعته أو موقع عمله، فإن إبعادهم عن هذه المسارات يعني عملياً إبعاد اليمن عن أدوات النهوض.
لاحظوا أيضاً أن البلدان لا تبني مستقبلها بعدد المقاتلين، وإنما بعدد المتعلمين والمهرة والمنتجين والقادرين على التفكير والابتكار.
وكل سنة يقضيها طفل في بيئة العنف هي سنة تُنتزع من تكوينه المعرفي والنفسي، وكل شاب يُحرم من التعليم والعمل يفقد فرصة لبناء ذاته وبناء مجتمعه.
لذلك، فإن استعادة اليمن لعافيته لا يمكن أن تكون مجرد توقف للمعارك، بل ينبغي أن تعني أيضاً استعادة المسار الطبيعي للحياة: مدرسة بدلاً من "المتراس"، جامعة بدلاً من "معسكر التعبئة"، ومهنة بدلاً من "الجبهة".
فالمستقبل في تقديري لا يبدأ عندما تنتهي الحرب فقط، بل يبدأ حين نمنع الحرب من احتلال عقول الجيل الذي سيأتي بعدها.
في الواقع لا تنتهي مأساة التجنيد عند الشاب الذي يصل إلى الجبهة، لأن الرصاصة التي تهدد حياته تمتد آثارها إلى بيت كامل.
هناك أم تعيش على القلق، وأب ينتظر اتصالاً قد يحمل خبراً لا يستطيع احتماله، وإخوة يفقدون سنداً، وأسرة قد تخسر معيلها أو تدخل في دوامة من الفقر والانكسار.
ولهذا فإن اختزال ضحايا التجنيد في أرقام القتلى أو الجرحى يجرّد المأساة من بعدها الإنساني. خلف كل شاب قصة حياة وذكريات وأصدقاء وأحلام وأسرة بنت عليه آمالاً لم تتح لها فرصة الاكتمال.
ومن الخطأ الأخلاقي في تصوري أن يُنظر إلى موت هؤلاء باعتباره نتيجة عادية للحرب، فالموت يصبح أكثر قسوة حين يكون الشاب قد دُفع إلى المعركة بعدما سُلبت منه فرصة الاختيار، أو بعدما استُغلت حاجته وفقره وضعف قدرته على المقاومة.
بيد أن أخطر ما يسبق حمل السلاح هو الفكرة التي تجعل حمله مقبولاً في وعي الطفل والشاب.
فالعنف لا يبدأ دائماً من البندقية، قد يبدأ من كلمة تُقدّم الكراهية باعتبارها فضيلة، أو من خطاب متطرف يمجد الموت، أو من تعليم يضع الطاعة فوق التفكير، أو من تصور يجعل المختلف عدواً لمجرد اختلافه.
وحين تُغرس هذه الأفكار في ذهن صغير لم يكتمل وعيه، يصبح استغلاله أسهل، لأنه لا يمتلك بعد أدوات نقد الخطاب المتطرف الذي يتلقاه.
ولذلك فإن حماية الأبناء لا ينبغي أن تقتصر على إبعادهم عن الجبهات، بل يجب أن تشمل حماية وعيهم من التعبئة الأيديولوجية.
التعليم الحقيقي لا يملأ الذاكرة بالمعلومات فقط، بل يمنح الإنسان القدرة على السؤال والمقارنة والتمييز، وهي القدرة التي تجعل الشاب أقل قابلية لأن يتحول إلى أداة في يد أي مشروع عنيف.
فضلاً عن ذلك، يصبح الأمر أكثر خطورة حين يُستغل الفقر والحاجة للوصول إلى الشباب، لأن الحاجة قد تجعل الوعد البسيط يبدو وكأنه فرصة للنجاة.
الشاب الذي يبحث عن عمل، أو أسرة عاجزة عن توفير احتياجات ابنها، يحتاجان إلى مدرسة ومنحة ومهنة وفرصة عمل، لا إلى خطاب يستثمر في ضعفه ثم يقوده إلى الجبهة.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، فإن مواجهة التجنيد تتطلب "معالجة الظروف" التي تجعله ممكناً، وفي مقدمها الفقر والبطالة وانسداد الأفق.
لا يكفي في اعتقادي أن نطالب الشاب برفض الاستغلال بينما نترك الأبواب مغلقة أمامه، بل ينبغي أن يجد طريقاً آخر أكثر واقعية وأماناً.
فكل فرصة تعليم أو تدريب أو عمل تُفتح أمام شاب هي، في جانب منها، مساحة تُغلق أمام الاستقطاب، وكل مشروع اقتصادي يمنحه استقلالاً نسبياً هو حماية غير مباشرة له من الذين يحاولون شراء مستقبله بوعد موقت.
ولهذا ينبغي ألا يُسمح للخطاب السياسي بأن يحوّل ضحايا التجنيد إلى مجرد أسماء في نشرات الأخبار. تداعيات هذا الأمر في غاية الخطورة، لا شك في ذلك أبداً.
في الواقع أرى أن تحويل الشباب إلى أدوات للقتال يعني في جوهره استنزاف أهم ثروة يمتلكها اليمن: الإنسان. فالثروة الحقيقية في تقديري ليست ما تحت الأرض فقط،
ولا ما يمكن تصديره أو استثماره، وإنما القدرة البشرية على "التعلم" و"العمل" و"الإبداع" و"بناء المؤسسات". وكل طفل يُحرم من تعليم جيد هو احتمال تنموي يتراجع،
وكل شاب يُدفع إلى الجبهة بدلاً من الجامعة أو سوق العمل هو طاقة وطنية يجري استنزافها في الاتجاه الخطأ.
ولذلك فإن استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح لا تنفصل عن استعادة الإنسان، واستعادة الإنسان لا تنفصل عن استعادة حقه في أن يعيش من دون خوف، ويتعلم من دون تلقين أيديولوجي، ويعمل من دون ابتزاز، ويختلف من دون أن يتحول اختلافه إلى سبب للعنف.
اليمن الذي يستحقه أبناؤه في الحاضر كأساس للمستقبل ليس يَمن الجبهات والمقابر، وإنما يَمن المدارس والجامعات والمستشفيات والمصانع والشركات والمشاريع.
حماية هذا المستقبل تبدأ من الأسرة، لكنها لا تنتهي عندها، فهي مسؤولية المدرسة والإعلام والمجتمع والدولة وكل صاحب تأثير في وعي الأجيال.
ينبغي أن نتحدث مع الأبناء لا إليهم فقط، وأن نستمع إلى مخاوفهم وأسئلتهم، وأن نعزز ثقتهم بأن أمامهم طرقاً متعددة لصناعة حياتهم وخدمة وطنهم.
كما ينبغي أن يصبح كشف خطاب الكراهية ومقاومة التطبيع مع العنف جزءاً من العمل الثقافي والتربوي، لأن الطفل الذي يتعلم احترام الحياة والاختلاف يصبح أكثر قدرة على بناء مجتمع متماسك،
بينما مَن يتربى على تمجيد الموت قد يتحول، من حيث لا يدرك، إلى ضحية أو أداة في دائرة عنف تتناسل من نفسها.
في نهاية المطاف، لا ينبغي السماح لأحد بأن يختصر مستقبل أبناء اليمن في بندقية، فحياتهم أكبر من أي شعار، وأحلامهم أغلى من أي معركة، وحقهم في أن يعيشوا ويتعلموا ويعملوا ويبنوا أسرهم يجب أن يبقى فوق الحسابات والصراعات،
لأن الوطن الذي يخسر أبناءه يخسر مستقبله قبل أن يخسر حاضره.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني