Logo

من سايكس بيكو إلى نفط الخليج: كيف هندس الاستعمار الكيان العربي

 يعيش المشرق العربي والإسلامي بشكل عام في واقع سياسي متغير بفضل حالة الاضطراب السياسي المخطط لها في المنطقة بصورة محكمة، من قبل القوى الاستعمارية لتسهيل عملية إعادة تشكيل خريطته السياسية عندما تبدأ المصالح تخرج من يد المهندس الأول لخريطة المنطقة عام 1916م، 

أو ما يعرف باتفاقية "سايكس بيكو" التي رسمت خريطة المشرق العربي قبل عامين من انتهاء أحداث الحرب العالمية الأولى، التي قادت نتائجها إلى هزيمة الدولة العثمانية، القوة السياسية الإسلامية المسيطرة على المشرق العربي منذ الربع الأول للقرن السادس عشر الميلادي،

 وظلت بذلك القوة الوحيدة المسيطرة والمتحكمة بالمنطقة لمدة تربو عن أربعمائة عام من الوحدة السياسية الجامعة التي ضمت العرب والأتراك والفرس والأكراد، 

وشكل الجميع مع بعضهم كتلة بشرية قوية تحطمت أمامها المؤامرات والأطماع الأوروبية طوال تلك الفترة التاريخية، حتى دب الضعف السياسي داخل الدولة العثمانية، 

وبدأت خطوات التفكك والانحلال داخل الكتلة الصلبة التي تشكل الحيز الجغرافي لمنطقة المشرق العربي والإسلامي، بفعل التدخلات الأوروبية التي وصلت إلى الشرق،

 ولعبت على تغذية الخلاف بين المكونات التاريخية لسكان المنطقة، كخطوة أولى نحو البدء في تفكيك المشرق وإعادة رسم خريطته السياسية بما يتوافق مع مصالح المستعمر على حساب مصالح المكونات التاريخية التي تعيش في الإقليم.

أدركت القوى الأوروبية مجتمعة مدى أهمية منطقة المشرق العربي والإسلامي، وهي المنطقة الجغرافية التي تعرف اليوم بـ "منطقة الشرق الأوسط"، مبكراً، فعملت منذ اتصالها بها على احتلالها والاستئثار بخيراتها وثرواتها، 

فضلاً عن تحكمها بأهم الممرات المائية في العالم في "هرمز وباب المندب وقناة السويس". 

ورغم تلاشي سطوة القوى الأوروبية وانتهاء نفوذها في المنطقة، عدا بريطانيا وفرنسا اللتين انتصرتا في الحرب العالمية الأولى، وتقاسمتا تركة الدولة العثمانية في مؤتمرات الصلح التي نظمتها الدول المنتصرة نهاية الحرب "سيفر وسان ريمو"،

 وهي مجموعة من الاجتماعات التي وزعت النفوذ والخرائط في المنطقة لفترة زمنية طويلة لتضمن تلك الدول البقاء في المشرق العربي والإسلامي لفترات أطول واستغلال مواردها لصالحها أكبر فترة ممكنة. 

ورغم اختلاف القوى الأوروبية على النفوذ بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن طريقة إدارة فترة ما بعد الحرب قادت إلى خلق قوى أوروبية جديدة تتبنى نهجاً قومياً طامحاً لبناء إمبراطورية جديدة تكسر احتكار بريطانيا وفرنسا، وتصدرت ألمانيا تلك التوجهات،

 ووصل التنافس حد إعلان الحرب العالمية الثانية عام 1939م بين بريطانيا وفرنسا، ثم الولايات المتحدة الأمريكية لاحقاً، في مواجهة ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وإمبراطورية اليابان الاستعمارية. 

ورغم الفظائع الإنسانية التي شهدتها تلك الحرب، ظل المشرق العربي والإسلامي يرزح تحت الاستعمار البريطاني الذي انفرد باحتلال كل من: "فلسطين، إمارة شرق الأردن، جنوب اليمن، سواحل الخليج العربي، والعراق" واستأثر باستغلال ثرواته.

 ليس هذا وحسب، بل تحكمت بريطانيا بمضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس. وبالرغم من أن الحرب العالمية الثانية ساهمت في انتزاع الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة العالم بالشراكة مع الاتحاد السوفيتي على حساب فرنسا وبريطانيا،

 فضلاً عن ظهور بعض المتغيرات السياسية التي جاءت كنتيجة طبيعية للحرب العالمية الثانية، ومنها حرمان بريطانيا من أهم مستعمراتها في قارة آسيا "الهند" الدرة اللامعة في التاج البريطاني لقرون، 

فانحصرت سيطرتها على الموارد النفطية الهائلة في الخليج العربي والعراق وإيران، لكن تلك القبضة البريطانية سرعان ما ارتخت في المنطقة لصالح ظهور قوة الولايات المتحدة الأمريكية التي أخذت شركاتها النفطية تزاحم بقوة الشركات البريطانية،

 لا سيما بعد أن توسعت العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية والملك "عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود" عام 1947م، وكان ذلك بداية لدخول الأمريكيين المنطقة ومنافسة البريطانيين.

والسؤال: لماذا نجحت بلدان أخرى في العالم في إعادة بناء ذاتها وتوحيد أراضيها بينما فشل العرب في المشرق العربي في صياغة حل جذري لبناء كيان عربي جامع وموحد وقوي يعمل على الاستفادة من الموقع الجغرافي من جهة، واستثمار الموارد الطبيعية الهائلة من جهة أخرى؟

إن المتأمل اليوم في الصراع السياسي واستمرار حالة التوتر الدائمة في منطقة الشرق الأوسط يجد أنها نابعة من جذور قديمة عمد الاستعمار على غرسها بهدف تفكيك الوحدة السياسية للبلاد العربية في المشرق العربي، 

وكانت أولى تلك المشاريع منح بريطانيا في 2 نوفمبر عام 1917م اليهود وطناً قومياً في فلسطين، فيما عرف بـ "وعد بلفور" وانتهاءً بإعلان قيام إسرائيل في 15 مايو عام 1948م واعتراف الغرب بها على حساب تشريد الشعب العربي الفلسطيني،

 والهدف المبطن من ذلك هو إبقاء منطقة المشرق العربي الحيوية تحت الرعاية الغربية بهدف الاستئثار بمواردها واستغلالها بعيداً عن الشعب العربي الممزق في كيانات سياسية صغيرة لا تجيد الدفاع عن نفسها وتحتاج بشكل مستمر لبقاء حماية المستعمر الذي صنع تلك الدمى السياسية، بهدف العودة إليها عندما يخرج من المنطقة،

 لكن بأساليب وطرق أكثر تحضراً من طريقة الاستعمار العسكري السابق، ويعتمد على الاستثمار من خلال شركات النفط التي تدير استخراج النفط وتجارته مع العالم، 

وهي تجارة مربحة تدر أموالاً طائلة على الاستعمار الأمريكي والبريطاني الجديد في المنطقة، فحافظت تلك القوى الاستعمارية على استمرار الكيانات السياسية التي أنشأتها في المنطقة من أجل الاستمرار في استغلالها، ومنع أي مشروع سياسي قومي عربي من الوصول إليها وصهر تلك الدول في كيان عربي موحد وجامع، 

لأن أي مشروع سياسي جامع من شأنه إنهاء التبعية للاستعمار وإنهاء جميع المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية المرتبطة بالمستعمر تحت شعارات مختلفة.

إن أهمية الحرب الدائرة والتوتر العميق بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وإيران من جهة أخرى توضح بصورة لا تدع مجالاً للشك أهمية المشرق العربي كنقطة مركزية تتحكم بحجم هائل من الموارد الطبيعية مثل: النفط والغاز وموارد أخرى، 

فضلاً عن تحكم الرقعة الجغرافية تلك بطرق الملاحة من خلال السيطرة والتحكم العربي بالبحار والممرات المائية التي تربط بين الشرق والغرب، 

وهذا يفسر السبب الرئيس في قيام الاستعمار بتفتيتها إلى كيانات سياسية متناحرة ومتنافسة على ترسيم الحدود التي وضعها الموظف البريطاني "السير بيرسي كوكس" الذي رسمها بقلمه الأحمر على البياض، 

واهتدى إليها شيوخ القبائل كنظام سياسي بنوا عليه كياناتهم السياسية ونوازعهم الاستقلالية التي تفتقر لوجود مشروع جامع يقوي الكيان العربي ويجعله قادراً على مواجهة التحديات التي تحيط به من جميع الاتجاهات، 

وبدلاً من الوحدة التي تدعم القرار والموقف والاعتماد على الذات بصورة جماعية، استفرد الاستعمار بالكيانات السياسية وظل يتحكم بمصيرها تحت يافطة الحماية تارة وخلق بؤر توتر بين الإخوة تارة أخرى لتدعيم بقائه على حساب ولادة مصير جامع من شأنه خلق كيان سياسي كبير يعبر عن العرب ويخدم تطلعاتهم المختلفة بين الأمم والشعوب الحية،

 فهل يا ترى من مجيب لصياغة تكتل عربي واحد جامع كدرس عملي تم استيعابه من أحداث الحرب التي نعيشها اليوم وتهدد مصيرنا ككيانات سياسية مجزأة ومنفردة لا تقوى على المواجهة بل تظل في حالة من الاستنفار والخوف لاستجداء الآخر بقصد الحماية؟ 

فهل ندرك ذلك معشر العرب؟
 
✍️  د. بكيل محمد الكليبي
        رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.