Logo

هل ثمة حرب في عالم اليوم دون اشتباك الداخلي بالخارجي؟

طالعت في صفحة الاستاذ عيبان السامعي منشورًا بعنوان: «بل هي حرب عبثية قذرة، والشرعية ليست شيكًا على بياض يا رفيقي العزيز»، وهو الحلقة الأولى من سلسلة يناقش فيها الأستاذ عيبان الحرب في اليمن ومشروعيتها ومساراتها مع صديق آخر له اسمه فهمي. 
ورغبت في إبداء تعليق على ما طرحه، فذهبت بي الفكرة إلى كتابة منشور طويل لم أتمكن من وضعه تعليقًا، كما لم أتمكن من مشاركة منشور الأستاذ عيبان، لذلك قررت نشر ما كتبته هنا، لعلّه يمر عليه، ولعل القارئ يجد فيه نقطة مضيئة في نقاش ابتدأه الأستاذ عيبان، ويستحق أن يستمر بعيدًا عن الشخصنة، وبقدر أكبر من الهدوء والنقاش حول الأفكار.
أسعدتني قراءة منشوره، لما فيه من قدح للأفكار وتقابل للرؤى، وأنتظر بقية الأجزاء باهتمام.
لم أتمكن من الوصول إلى ما كتبه الأستاذ فهمي، ولذلك سأقصر تعليقي على ما ورد في منشور الأستاذ عيبان. وقد استوقفني فيه عدد من الأمور، من بينها الجهد الذي بذله في تفكيك مقولة نيلسون مانديلا "الظالم يحدد وسيلة نضال المظلوم" ،
 ومحاولة بيان عدم ملاءمتها للسياق اليمني، انطلاقًا من اختلاف السياقات التاريخية والسياسية، ومن نقد الجابري لآلية القياس وإسقاط تجربة على أخرى دون مراعاة اختلاف الشروط الموضوعية.
حشد عيبان رؤى وأفكارًا كثيرة لإثبات أن الحرب في اليمن لم تعد، بفعل التدخلات الخارجية وتبدل أطرافها وأهدافها، على الصورة التي بدأت بها، وأنها حادت عن طبيعتها الأولى وتحولت إلى حرب عبثية.
غير أنني، باستثناء وصفها بالعبثية باعتبارها حرب وكالة، لم أجد في المرافعة فارقًا جوهريًا بينها وبين كثير من الحروب الأخرى؛ 
إذ بدا أن التركيز انصب بدرجة كبيرة على شكل الحرب وتدخل الأطراف الخارجية فيها، وكأن التدخل الخارجي هو الذي ينزع عنها بالضرورة مشروعيتها أو يجعلها بلا هدف.
وربما يتوجب علينا، قبل إسقاط تجربة مانديلا على اليمن أو نفي صلاحية هذا الإسقاط، أن نفهم تجربة مانديلا نفسها بصورة أكثر دقة، ثم نسأل بعد ذلك: هل هناك ما يمكن أن يجعل مقولته قابلة للتطبيق على الحالة اليمنية، أم أن اختلاف السياقات يجعل ذلك مستحيلًا؟
خاض نيلسون مانديلا والمؤتمر الوطني الأفريقي نضالًا طويلًا ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وقد مر هذا النضال بمراحل متعددة، من المقاومة السلمية والعصيان المدني إلى الكفاح المسلح، ثم إلى التفاوض والتسوية السياسية. 
ولم يكن الصراع طوال هذه العقود حربًا أهلية بالمعنى التقليدي، كما لم يكن خاليًا من التدخلات الخارجية أو من المصالح والتناقضات الداخلية، بل شهد عنفًا واسعًا، ومجازر، وانتهاكات، وصراعات داخلية، ودعمًا سياسيًا وعسكريًا خارجيًا لأطراف مختلفة.
كما أن مانديلا تلقى دعمًا سياسيًا وعسكريًا، بما في ذلك التدريب، من بعض الدول، في الوقت الذي واجه فيه رفضًا سياسيًا من دول أخرى. ولذلك فإن وجود الدعم الخارجي، أو تعدد الأطراف المتدخلة، لا يبدو في ذاته معيارًا كافيًا للحكم على مشروعية الصراع.
صحيح أن تجربة جنوب أفريقيا لا تتطابق مع الحالة اليمنية، وهذا ما أوافق عليه الأستاذ عيبان فيه. لكن السؤال الأهم هو: هل المطلوب تطابق التجربتين حتى تصبح مقولة مانديلا ذات صلة؟
 أم يكفي وجود جوهر مشترك يتمثل في مقاومة قوة  استخدمت السلاح وانقلبت على التوافق السياسي وتسعى إلى اخضاع المجتمع بالإقصاء والقهر وانتهاك الحقوق؟
وهنا أصل إلى الحالة اليمنية.
يدرك الأستاذ عيبان، وهو الباحث اللبيب، طبيعة الجماعة الحوثية وبنيتها الأيديولوجية وما تحمله من تصورات تمييزية في السلطة والمجتمع ( بلغ بها الحال إلى استحداث تشريعات او تقديم تفسيرات للشريعة والقانون ذات طابع تمييزي)،
 فضلًا عن ممارساتها في القمع والعقاب الجماعي، وما أنتجته من سلطة أمر واقع تقوم على القوة وتفرض رؤيتها السياسية بالقوة المسلحة وتضغط على المجتمع لتمرير نهجها المذهبي/ الطايفي هو أخطر ما يعاني منه اليمن.
ومن هذه الزاوية، فإن الصراع معها ليس مجرد صراع على تقاسم المصالح أو توزيع الحقائب السياسية؛ فالجماعة نفسها رفضت هذا التصور منذ اتفاق السلم والشراكة، وأعادت تعريف طبيعة الدولة والسلطة من خلال القوة والغلبة.
وعليه، فإن جوهر الصراع معها يتعلق بطبيعة النظام السياسي الذي سيحكم اليمن، وبفلسفة الدولة وشكل السلطة ومفهوم المواطنة، وليس فقط بمن يحصل على وزارة أو منصب أو حصة في السلطة.
وهذا لا يعني، بالطبع، أن كل ما جرى باسم مواجهة الحوثيين أصبح مشروعًا تلقائيًا، ولا أن الحرب تمنح أي طرف حصانة أخلاقية أو سياسية.
لنأتِ إلى الحرب نفسها.
الحرب عمل قبيح ومؤلم بطبيعته، ولا يمكن أن تكون غاية في ذاتها. وهي، في الغالب، تفتح أبوابًا للانتهازية والفساد وظهور أمراء الحرب وتجارها، وتنتج مظالم جديدة فوق المظالم التي قامت الحرب أصلًا لمواجهتها. 
وهذه ليست ظاهرة يمنية خالصة، بل تكاد تكون ملازمة للحروب، حتى في الدول ذات المؤسسات الديمقراطية الراسخة.
لذلك لا أختلف مع الأستاذ عيبان في أن الحرب تحتاج إلى مراجعة نقدية لمسارها، وأن استمرارها لا ينبغي أن يكون شيكًا على بياض لأي طرف. 
كما أتفق معه في ضرورة تصحيح مسار الحرب، ومراجعة أدواتها وأهدافها ونتائجها، وعدم تحويل مشروعيتها الأولية إلى تفويض مفتوح لكل ما قد يرتكب خلالها.
لكنني أختلف معه في النقطة التي يبدو أنها تقود مداخلته: أن الاعتراف بانحرافات الحرب ومآلاتها السيئة يقود بالضرورة إلى نزع مشروعيتها عنها من الأساس.
فهناك فرق بين أن نقول إن الحرب مشروعة في أصل الدافع، لكنها قابلة للنقد والمراجعة في وسائلها وإدارتها ونتائجها، وبين أن نقول إن ما لحق بها من انحرافات وتدخلات ومصالح قد أسقط مشروعيتها بالكامل.
الأولى تتيح لنا نقد الحرب وتصحيح مسارها دون التخلي عن أصل القضية التي اندلعت من أجلها، أما الثانية فقد تنتهي، من حيث لا نقصد، إلى تبني السردية التي تريد الجماعة الحوثية ترسيخها: 
أن المشكلة ليست في الانقلاب على الدولة ومخرجات الحوار الوطني، وإنما في الحرب التي جاءت لمواجهته.
ولهذا أظن أن العبارة الأدق ليست أن «الشرعية شيك على بياض»، فهذا صحيح، وإنما أيضًا أن نقد الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى شيك على بياض للرواية المقابلة.
نعم، الشرعية ليست شيكًا على بياض، والحرب ليست مقدسة، وأخطاء من خاضها لا ينبغي تبريرها، ومصالح أمراء الحرب وتجارها يجب أن تُكشف وتُحاسب، وقرار الحرب والسلام ينبغي أن يعود إلى اليمنيين.
لكن في المقابل، فإن رفض الحرب جملةً، ونزع أي مشروعية عن أصل مقاومة الانقلاب، لا يصحح مسار الحرب، بل قد يصب مجانًا في صالح الجماعة الحوثية، لأنها ستجد في هذا الخطاب ما يخدم دعايتها السياسية ويعيد تعريف الصراع باعتباره مجرد حرب عبثية لا قضية لها.
المطلوب، في تقديري، ليس تمجيد الحرب ولا شيطنتها، وإنما التمييز بين مشروعية القضية، ومشروعية الوسيلة، ونزاهة الإدارة، ونتائج الحرب ومآلاتها.
فقد تكون القضية عادلة، ثم تُدار الحرب بصورة سيئة؛ وقد تكون الوسيلة مشروعة في أصلها، ثم تُرتكب أثناء استخدامها تجاوزات لا يمكن تبريرها؛ وقد يكون الهدف مشروعًا، لكن استمرار الحرب بلا أفق سياسي يتحول إلى مشكلة بحد ذاته.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية النقاش الذي بدأه الأستاذ عيبان، وأظن أن الأجزاء القادمة ستكون أكثر أهمية إذا انتقلت من سؤال: «هل الحرب عبثية؟» 
إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ما الذي بقي مشروعًا في هذه الحرب، وما الذي فقد مشروعيته، وكيف يمكن تصحيح المسار دون أن نخسر القضية الأصلية؟

أنتظر الحلقة الثانية.
✍️ ‏د. مصطفى ناجي الجبزي
   أكاديمي وباحث يمني