ما تأثير الضربات الجوية على الحوثيين؟
أثارت الضربات الجوية المتوالية التي توجهها القوات الحكومية اليمنية ضد ميليشيات الحوثيين في الأيام القليلة الأخيرة موجة من التساؤلات عن الأسباب التي كانت وراء تأخر الحسم العسكري مع هذه الميليشيات طيلة السنوات الاثنتي عشرة الماضية.
وهل كان من الضروري أن يعاني اليمنيون، لما يزيد على عقد من الزمن، قتلا ونزوحا وتشردا وبلا أمن واستقرار وجحيما معيشيا لا يطاق بلا خدمات أساسية ولا رواتب؟
الواقع أن ثمة أسبابا عديدة لذلك يعرفها اليمنيون جميعا ويتفهمها معظمهم. أولها وهو الأهم، سواء في الداخل اليمني أو على مستوى الإقليم والعالم، أن الجميع كان متفقا على أن جوهر المشكلة ليس يمنيا تماما بل يرتبط أساسا بخيوط سجاد التحالف المذهبي والسياسي ثم العسكري الذي نسجته إيران مع جماعة الحوثيين بهدوء وأناة وسرية كاملة في البدء،
منذ ما قبل تمرد الميليشيات الانقلابية الحوثية على الدولة وحروبها الست مع نظام الرئيس الراحل على عبدالله صالح الذي تحالف معها في نهاية المطاف بغية النكاية والانتقام من بعض الأطراف التي حرضت على الإطاحة به رغم أن الحوثيين وأنصارهم كانوا في صدارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011 خلال ما عُرف بـ"الربيع العربي" للمطالبة برحيل علي صالح ولينتهي الأمر بمقتله على أيدي حلفائه الحوثيين.
أما السبب الثاني، في عدم إنهاء انقلاب الحوثيين واستعادة الدولة اليمنية، فيكمن في أن الانقلاب الذي تدثر بثياب المطالبات الشعبية للحد من ارتفاع الأسعار، جاء في وقت كانت القوى السياسية اليمنية منشغلة بحوار وطني شامل خلص إلى نتائج تاريخية مهمة لتشخيص مشكلات الواقع اليمني ووضع أسس لشكل الدولة المنشودة ونظام الحكم فيها ومن بين ذلك دستور جديد للبلاد، ما أعاق أي فرصة للذهاب في هذا المسار.
ويرجع السبب الثالث إلى رغبة الجميع، في ما عدا إيران ووكلائها الحوثيين، في إعطاء السلام فرصة من خلال الحوار الذي فشل في أربع جولات منه في إقناع الحوثيين بالعودة إلى جادة الصواب، بل خرجت بعده الجماعة من كل منها بسقف مطالب وشروط أعلى من ذي قبل،
وهذا بالإضافة إلى وساطات عدة قامت بها الأمم المتحدة ودول عربية وأجنبية عدة كان من بينها الولايات المتحدة الأميركية حيث عينت إدارة الرئيس السابق جو بايدن مبعوثا خاصا لها إلى اليمن تيم ليندر كينغ الذي قال حينها إن لدى بلاده أدواتها وطريقتها الخاصة في التعامل مع الأزمة اليمنية.
وهو ما لم يحدث، ولا يزال التخبط الأميركي في التعامل مع الميليشيات الحوثية قائما حتى الآن على الرغم من قيام الجيش الأميركي بشن حملة جوية على ما قال إنها "منصات لإطلاق صواريخ باليستية وورش تصنيع حربي".
كما أعادت إدارة الرئيس دونالد ترمب تصنيف الولايات المتحدة لهذه الجماعة كمنظمة "إرهابية أجنبية" وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على كيانات وبنوك وشركات صرافة وأشخاص قالت إنهم على علاقة بالميليشيات ويقومون بتهريب الأسلحة والأموال إليها، لكن ذلك لم يؤد إلى نتائج ملموسة.
ولم تتأخر إسرائيل بدورها عن مجابهة الحوثيين واستهدافهم، قدر استطاعتها، على خوض حرب في بلد يبعد عنها بما يزيد على ألفي كيلومتر، لكن غاراتها ألحقت الضرر بمنشآت مدنية عدة تمثل أصولا ليست ملكا للحوثيين وميليشياتهم بأي حال ولا يهم هؤلاء تدميرها وخسارتها. ولا نعلم على وجه اليقين إن كانت إسرائيل قد استطاعت بالفعل استهداف وقتل قادة من الميليشيات
فالجماعة الحوثية تتكتم بشكل مبالغ فيه لأشهر وسنوات عن أسماء وهويات من يسقطون قتلى في صفوفها، خصوصا إذا كانوا عسكريين من نفس طائفتها أو إذا كانوا مدنيين في مواقع عليا في سلطتها كما حدث بعد مقتل رئيس حكومتها غير المعترف بها وعدد من الوزراء والمسؤولين في حكومته الصورية وعديمة الصلاحيات.
يتعلق السبب الرابع في عدم حسم المعركة مع الميليشيات الحوثية إلى ذلك الموقف الذي تعرض له التحالف العربي بقيادة السعودية وذلك من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا بحجة إساءة استخدام أسلحتهما من قبل بعض أطراف ذلك التحالف.
وقد استغلت جهات معارضة في كلا البلدين الأمر للضغط على واشنطن ولندن لوقف دعمهما العسكري والمعلوماتي واللوجستي للتحالف ليتحول الأمر بعد ذلك إلى ما بدا أنه "ابتزاز" للرياض تحديدا، التي جاءت قيادتها للتحالف بمقتضى القرار الدولي 2216 وفي محاولة لدفعها للبحث عن بدائل أخرى، سياسية وأمنية، للتعامل مع الميليشيات.
ولا بد أن عواصم غربية أخرى غير واشنطن ولندن عضت بعد ذلك أصابع الندم على سياساتها تلك التي اعتقدت أنها يمكن أن تتم من وراء ظهر إيران وتؤدي إلى استرضاء واحتواء الحوثيين واستدراجهم إلى طاولات التفاوض،
لكن ما حدث رغم ذلك أن الميليشيات ازدادت اندفاعا للوقوف إلى جانب طهران وارتماء في أحضان "الحرس الثوري" الإيراني و"حزب الله" اللبناني لتصبح جزءا مما أسمته طهران "محور المقاومة" وقامت ميليشيات الحوثيين المدعومة بسلاح وخبراء "الحرس" و"الحزب" باستهداف خطوط الملاحة الدولية في الممرات المائية المحيطة باليمن خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة دون أي أثر فعال يذكر.
ماذا يحدث اليوم وكيف تغيرت المعادلات؟
أصبح من الواضح بشكل قاطع أن جماعة الحوثيين رهنت مصيرها ومستقبلها وواقع ميليشياتها بما ستؤول إليه الأمور في صراع إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، على وجه الخصوص. وهذا رهان خاسر، دون شك،
وتذهب بالجماعة اليوم نحو هاوية خطر حقيقي لا يبدو أنه سوف يتأخر كثيرا في ضوء ما يبدو أنه قرار "ليس بالضرورة يمنيا فقط بل إقليمي وعالمي أيضا" قد اتخذ بالفعل لطي صفحة الميليشيات، بدليل تغير معادلات القوة على الأرض لصالح قوات الحكومة الشرعية اليمنية واستخدامها أسلحة نوعية متطورة لم تكن قادرة على امتلاكها قبل هذا القرار.
خلال حروبها الست مع قوات الرئيس اليمني الراحل صالح كانت الجماعة تقاتل "نظاما سياسيا" أو ما كانت تسميه "جيشا عائليا" وذلك في ظل انقسام سياسي حول مبررات وجدوى تلك الحروب.
أما اليوم فإن الجماعة تجد نفسها في مواجهة مع اليمن كله بغالبية شعبه، دولة ومجتمعا، وتتعرض للاستهداف من قبل قوات الجيش وتشكيلات عسكرية متنوعة وقبائل تتوق لمواجهة الميليشيات حتى بأبسط أسلحتها وقدراتها العسكرية المتواضعة،
فالكل أجمع كما يتضح على أن لا مخرج لليمن من النفق المظلم الذي أدخلته فيه هذه الميليشيات الموالية لإيران سوى بطريقتين، إما أن تعود إلى رشدها الديني والوطني وتغادر عباءة الولي الفقيه، وإما أن تواجه مصيرا أسودا وانتقاما شديدا من قبل كل اليمنيين خلال سنوات الحرب بما فيهم ملايين القاطنين في مناطق سيطرتها.
هل تعي الميليشيات ما يحدث؟
المحزن أن الجماعة تعيد اليوم تكرار أخطائها وخطاباتها العدمية متباهية بالاعتقاد بأنها باتت قوة إقليمية لا يمكن كسرها وقهرها، إذ لا تزال تكابر وتلح على التصعيد العسكري مع خصومها في الداخل والمنطقة بما ينذر بعودة الحرب الشاملة إلى مربعها الأول في كامل المنطقة وليس في اليمن وحده،
وإن كنت أستبعد ذلك وأرى أن أسلوب "الردع" العسكري الراهن الذي تنتهجه القوات الحكومية كفيل على المدى القريب بإضعاف الميليشيات وتفككها وانهيارها من الداخل وخفض كلفة الحسم معها.
فبالتأكيد أنها لم تكن لتتوقع سلسلة الضربات الجوية التي طالت مناطق سيطرتها ومعاقل مسلحيها بدقة عالية على كل الجبهات التي عملت على استحداثها خلال سنوات الهدنة السابقة الثلاث،
بينما كان جميع مناهضي الحرب يرصدون تحركاتها ويستعدون من جهتهم للتعامل مع أي مغامرة جديدة قد تقوم بها.
وقد ثبت اليوم كل هذا بعد أن شاهد كثيرون حول العالم مقدار الخسائر البشرية والمادية التي تتكبدها الميليشيات بفعل هجمات المسيرات الحكومية التي تنقضّ على متاريس وخنادق الميليشيات وتحيلها إلى قبور لمسلحي الجماعة
بينما يفر أغلبهم جريحا أو مصابا لا يجد من يساعد على إخلائه من ميادين القتال كما تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لعشرات من قادة ومسلحي الجماعة خلال تشييعهم بصورة جماعية.
الأمر الأكثر مدعاة للدهشة أن الجماعة الحوثية لا تستطيع التبصر والاتعاظ بما يحدث لحليفها الإيراني من تهاوٍ للاقتصاد وانقسامات داخل المجتمع الإيراني الذي سئم من طول وخطأ حسابات السلطة السياسية الحاكمة.
كما لم تتعلم ميليشيات الحوثيين مما يحدث لـ"حزب الله" اللبناني بعد كل ما تعرض له من قتل واغتيالات بالجملة وما يعيشه في الداخل اللبناني من عزلة وسخط شعبي عام جراء إصراره كما يقول بعض اللبنانيين على أن "يموت لبنان وشعبه مقابل أن يعيش الحزب" لقتال إسرائيل نيابة عن إيران.
✍️ أ . أنور العنسي
صحفي ومراسل يمني في تلفزيون بي بي سي عربي