على ابواب ثورة سبتمبر.. ثورة مواطنة لا إقصاء
عندما قامت ثورة 26 سبتمبر 1962، لم تكن ثورة على الهاشميين، كما يُروَّج لها اليوم بوصفهم مكوّناً اجتماعياً، وإنما كانت ثورة على الظلم والاستبداد، وعلى حكم الإمامة الكهنوتي، وعلى احتكار السلطة وغياب الدولة الجمهورية التي يتساوى فيها اليمنيون.
ومن المهم التذكير بأن من بين الذين شاركوا في الثورة وأسهموا فيها وضحّوا من أجلها ثواراً هاشميين، إلى جانب إخوانهم القحطانيين.
فقد كان المعيار في موقف اليمنيين آنذاك هو الموقف من الاستبداد والحكم الفردي القائم على التمييز السلالي، وليس الانتماء إلى سلالة أو قبيلة.
كان الهدف أمةً واحدة: لا قحطاني ولا هاشمي، لا سلالي ولا عنصري، لا شيعي ولا سني، لا بكِيلي ولا حاشدي ولا مذحجي، لا شمالي ولا جنوبي؛ وإنما أمة يمانية واحدة، إخوةً متساوين في وطن واحد، يرتقون معاً إلى المكانة التي تليق باليمن واليمنيين، وإلى مستوى الحياة الكريمة التي يستحقها كل يمني.
وتروي الذاكرة الوطنية أن أخبار تجاوزات واستهداف طالت بعض الهاشميين وأعوانهم في بداية الثورة، لمجرد انتمائهم، وصلت إلى قائد الحملة العسكرية المتجهة إلى تحرير صعدة، وهو على أبواب المدينة.
فكان موقفه واضحاً وحاسماً؛ إذ أبرق إلى القيادة في صنعاء مطالباً بوقف تلك التجاوزات وإدانتها، ومذكّراً ومؤكداً أن الثورة قامت لإقامة نظام جمهوري يستوعب جميع اليمنيين، لا للانتقام، ومعبّراً عن ذلك بقوله: «لقد ثرنا على حكم الإمام السلالي الكهنوتي من أجل نظام جمهوري عادل يستوعب الجميع، أوقفوا استهداف الهاشميين».
وقد أُوقفت تلك التجاوزات، واتُّخذت إجراءات بحق من تورط فيها. وعند عودته إلى صنعاء، ذهب فوراً، برفقة كبير حاشد، إلى المكان الذي كانت القوات العربية قد احتجزت وجمعت فيه عائلات وأطفال أسر بيت حميد الدين والمسؤولين المقربين منهم.
وأصرّا على توفير احتياجاتهم الأساسية، والعناية بهم، والحفاظ على كرامتهم، فلا ذنب لهم، تمهيداً لتسفير الراغبين منهم إلى السعودية ولبنان، حيث كان بعض الرجال قد سبقوهم إليها.
وهو موقف يعبّر عن مبدأ جوهري: أن اليمنيين لم يثوروا على نظام الإمامة ليستبدلوا به نظاماً يعيد إنتاج عقلية الإقصاء والتمييز، وإنما ثاروا من أجل دولة جمهورية يتساوى فيها المواطنون أمام القانون.
ومن هنا، فإن استدعاء الانتماءات السلالية والمناطقية اليوم، سواء بهدف شيطنة الهاشميين أو بهدف التقليل من مكانة القحطانيين، ليس سوى إعادة إنتاج للعقلية المريضة التي ينبغي أن نتجاوزها.
فلا يجوز أن تتحول مواجهة الاستبداد إلى استهداف لفئة اجتماعية بسبب نسبها، كما لا يجوز أن تُستخدم مواجهة العنصرية ذريعة لتبرير أي شكل من أشكال التمييز.
العنصرية مرفوضة أياً كان مصدرها، والإقصاء مرفوض أياً كان ضحيته، والتعميم ظلم لا يخدم اليمن ولا مستقبله.
اليمن الجمهوري الديمقراطي، الذي يحكمه الشعب عبر مؤسساته وممثليه، هو الوطن الذي يتسع للجميع، وتُقاس فيه المواطنة بالحقوق والواجبات وسيادة القانون، لا بالنسب أو السلالة أو العرق أو المذهب أو القبيلة أو المنطقة.
ولذلك، ونحن على أبواب سبتمبر العظيم، فإن استعادة روح ثورة 26 سبتمبر لا تكون بإعادة إنتاج الاستقطاب، وإنما بالعودة إلى جوهرها: دولة عادلة، ومواطنة متساوية، وكرامة مصونة، وسلطة تستمد شرعيتها من الشعب، ويكون فيها اليمنيون جميعاً شركاء في الوطن والمستقبل.
فـ26 سبتمبر لم تكن ثورة إقصاء، وإنما ثورة مواطنة؛ ولم تكن ضد سلالة أو جماعة، وإنما ضد الاستبداد والتمييز واحتكار السلطة. وهذه هي الروح التي يستحق اليمن أن يستعيدها اليوم.
✍️ أ فيصل بن امين ابوراس
سفير وسياسي يمني