Logo

لا تدعوا الحرب تجرف إنسانيتنا

 كرّموا العلم… ولا تجعلوا من الجنسية تهمة
في الحديث النبوي الشريف: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا»؛ وفيه تذكير بمكانة اليمن والشام في تاريخنا وثقافتنا، وبأن ما يجمع شعبيهما أعمق من الحدود والجوازات.
ومن تراثنا اشتهرت عبارة «اطلبوا العلم ولو في الصين»، وهي وإن كانت لا تثبت حديثًا عن النبي ﷺ، فإن معناها يعبّر عن حضارة لم تجعل العلم حكرًا على قوم أو أرض أو جنسية، بل جعلته طريقًا لرفع شأن الإنسان وخدمة الإنسانية.
فالعلم لا يسأل صاحبه: من أي بلد أنت؟
والعقل لا يحمل جواز سفر، والتفوق لا ينبغي أن تكون له حدود.
من هنا، فإن ما حدث مع الطالبة السورية رؤى محمد في اليمن، إن ثبت أن استبعادها من التكريم كان بسبب جنسيتها، ليس مجرد خطأ إداري عابر، بل قضية تمس جوهر رسالة وزارة التربية والتعليم: الانتصار للعلم والتميز والعدل.
وفي المقابل، حين يحصل الطالب اليمني يحيى وليد عرفج في السعودية على المركز الأول في الثانوية، ويُعلن اسمه ويُكرّم، فإن ذلك ينبغي أن يسعدنا؛ لأن تكريم اليمني في بلد آخر هو تكريم لقيمة نريد أن نراها محفوظة لأبنائنا أينما كانوا.
لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى الحالتين بعين المكايدة أو المقارنة السياسية، بل بعين اليمني الذي يريد لوطنه أن يكون عادلًا، راقيًا، منصفًا، ومتصالحًا مع قيمه.
لقد طالت الحرب في اليمن، والحروب لا تدمر المدن والمؤسسات وحدها؛ بل قد تتسلل آثارها إلى العقول والسلوك العام. ومع طول الاستنزاف والانقسام، قد يفقد بعض المسؤولين شيئًا من الصواب والاتزان، حتى يصبح المسؤول، من حيث يدري أو لا يدري، جزءًا من المشكلة بدلًا من أن يكون جزءًا من الحل.
الحرب قد تهدم مدرسة، لكن الأخطر أن تهدم قيمة التعليم.
وهنا تكمن أهمية استعادة ما جرفته الحرب.
لسنا بحاجة إلى إعادة بناء الحجر وحده؛ نحن بحاجة إلى إعادة بناء العقل. وإن تعذر ذلك في وضعنا الراهن، فعلينا على الأقل أن نحترم العقل، حتى نتمكن من ترميم مؤسساتنا وإعادة بنائها.
نحتاج إلى استعادة ثقافة الدولة، وميزان العدل، واحترام الكفاءة، والقدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه. فقد اضطربت لدينا مفاهيم الشرعية نفسها؛ فلا الشرعية الدستورية استقامت، ولا الشرعية الثورية صحت، ولا سلطة الأمر الواقع اكتسبت بمجرد الأمر الواقع شرعيةً مكتملة.
كما نحتاج إلى إدراك أن المواطن والأجنبي المقيم بيننا كلاهما إنسان، له كرامته التي لا ينبغي أن تُنتقص بسبب جنسيته.
اليمنيون أنفسهم عاشوا في سوريا وفي بلدان كثيرة، ودرسوا وعملوا وأبدعوا فيها، وكانوا يأملون دائمًا أن يُنظر إليهم بما قدموه، لا بجواز السفر الذي يحملونه. وقد كانت سوريا، في الأمس، من البلدان التي احتضنت اليمنيين وفتحت لهم أبوابها، ونأمل أن تبقى سوريا الجديدة وفيةً لهذه الروح، كما نأمل أن يبقى اليمن وفيًا لها تجاه السوريين.
فكيف نقبل لأنفسنا ما نرفضه لغيرنا؟
إذا كان الطالب اليمني يستحق التكريم عندما يتفوق خارج وطنه، فإن الطالبة السورية تستحق التكريم عندما تتفوق داخل اليمن.
المعيار واحد: العلم.
والاعتذار للطالبة رؤى، إن ثبت أن جنسيتها كانت سبب الاستبعاد، ليس انتقاصًا من الوزارة ولا هزيمة لها؛ بل دليل على قدرة المؤسسة على مراجعة نفسها وتصحيح خطئها.
فالمؤسسات الكبيرة لا تتمثل قوتها في أنها لا تخطئ، وإنما في أنها تعترف حين تخطئ، وتصحح حين يتبين لها الخطأ.
وما حدث آلم اليمنيين كما آلم السوريين؛ لأن اليمني الذي يطالب العالم باحترام أبنائه في الخارج، يجب أن يكون أول من يحترم أبناء الآخرين في وطنه.
لسنا بحاجة إلى مزيد من العنصرية والانقسامات في وطن أنهكته الحرب. ولسنا بحاجة إلى مزيد من الجدران بين اليمنيين وأشقائهم العرب، في وقت شرّدت فيه الحرب أبناءنا وأجبرتهم على اللجوء إلى القريب والبعيد.
نحن بحاجة إلى أن نرسخ في أبنائنا أن:
الإنسان يُحترم بإنسانيته،
وصاحب العلم يُكرّم بعلمه،
والمتفوق يُكافأ بتفوقه،
والوطن القوي هو الذي يثق بعقله، لا الذي يخاف من عقل غيره.
لقد جرفت الحرب كثيرًا من اليمن، فلا تسمحوا لها أن تجرف ما تبقى من عقولنا وضمائرنا وقيمنا. 

✍️ أ  فيصل بن امين ابوراس 
         سفير وسياسي يمني