Logo

إيران والمراوغة الدبلوماسية... لماذا اليمن الآن؟

 بما أنّ هناك تحليلات لا يصل صوتُها الى القنوات ويُرفض قبولها كونها ممّا يجب ألا يُقال، أو ممّا يزعج الالتفات اليه، نورد بعضاً ممّا أُشير اليه في وسائل التّواصل الاجتماعي وما يتناقله متخصّصون لا مجال لظهورهم إعلاميّاً، لسببين: 

أن تحليلات هؤلاء متناقضة مع ما جرى إلباسه لبوس التّحليل العلمي الرّصين ممن جرى اعتبارهم محلّلين ومن يُسمح لهم، حصراً، بالحديث في الشّأن الإيراني، بصفة خاصّة، بالنّظر إلى حساسية الملف، 

والآخر، وهو سبب لذلك كله، كون تلك التّحليلات تعرض على الطّاولة ما هو حقيقي بشأن إرادة إيران توسيع جيوسياسية الحرب الحالية إلى ما وراء مضيق هرمز، وإحداث ما يشبه الزّلزال الاقتصادي العالمي، حقّاً لا مجازاً،

 وذلك سيناريو يريد الكثير الصّمت عن الخوض فيه لقتامة تداعياته، ولأن واقعيّته مزعجة للكلّ، في الإقليم وفي العالم.

تتحدّث تلك التّحليلات، هنا، عن عدّة ظواهر بعضها ممّا يمكن أن يُصنّف ضمن المنطقي من التّصرفات من دولة شُنّت عليها حرب، وتردُّ بالأدوات المتاحة لديها، ناعمة وصلبة، 

وظواهر أخرى ممّا يمكن اعتبارها براعة أو مراوغة دبلوماسيّة لها ما بعدها فيما يُنتظر من ترتيبات قادمة لإقليم الشّرق الأوسط والخليج استراتيجيّاً واقتصاديّاً، بصفة خاصّة.

أولى تلك الظّواهر تتمثّل في الردّ الإيراني على اتفاقية مكة الموقّعة، أخيراً، بين ثلاث دول كبرى في الشّرق الأوسط: السّعودية وتركيا وباكستان، 

ما اعتُبر "ناتو" مصغّراً، في جانبه الدّفاعي، بتصدُّر التّعاضدية الأمنيّة العسكريّة مضمونه، والجميع كان ينتظر الرد الإيراني كون الاتّفاقية من بين الضّربات التي لم تُرد طهران أن تصدُر من دول كبرى رفضت، كلُّها، الانخراط في الحرب ضدّ إيران،

 بل تلعب باكستان دور الوسيط الذي لا بديل له بين طهران وأميركا في الحرب التي بدا أنّها لم تُشن ضدّ إيران، فقط، بل هناك إرادة لإعادة ضبط المنطقة وإيقاعاتها الأمنيّة بمقاربة في محورها الكيان،

 وفي غياب الفاعلين الأكبر فيها (مصر والسّعودية في مقدمتها، إضافة إلى إيران، بعد الحرب).

ثانية تلك الظّواهر أنّ ذلك الضّبط الأمني يهدف إلى توسيع جغرافيا الكيان وإنهاء قضيّة فلسطين، من خلال توسيع مفروض للاتفاقيّات الإبراهيميّة، وتقليم أظافر كلّ الدُّول التي بإمكانها تشكيل خطر متوقّع (وليس حقيقيّاً فقط) على الكيان، 

إضافة إلى الاستيلاء على كلّ ما من شأنه تسريع تربُّع الصّين على عرش الهيمنة العالميّة.

 ونعني به، هنا، النّفط بعد نفط فنزويلا، والصّناديق السّيادية، والممرّات البحريّة - الأنابيب، بحيث يصبح من المستحيل تخيُّل، مجرّد التّخيُّل، حصول أي طرف مناوئ لأميركا (كندا وأوروبا، أيضاً) على قطرة نفط،

 ولو كان ذلك بتقويض أركان الاقتصاد العالمي الذي بدا أنّه يدخل منطقة الخطر بكساد لا نظير له (بلغ سعر غالون النّفط، في أميركا، وحدها ستة دولارات ثم سبعة، وفي أوروبا يعاني المواطنون من أسعار بلغت سقفاً لم يعرفوه، من قبل).

يدفع ذلك كلُّه إيران، في ثالثة الظّواهر، إلى انتهاج المراوغة والمناورة بتوسيع نطاق الحرب لتحقيق هدفين: أوّلهما إبعاد مسألة نزع أسلحة أذرعها في الخليج وفي الشّرق الأوسط، 

لأنّ هذا يمنعها من المناورة على جبهاتٍ كثيرة، مستغلّة تردّد أميركا في مدّ يد المساعدة لحلفائها في الخليج، من ناحية، 

وفشل اتّفاقية مكّة في أول امتحان لها بامتناع باكستان وتركيا عن نجدة المملكة في تصدّيها لهجمات الحوثيين، سواء في المملكة نفسها، أو في اليمن، من ناحية أخرى.
 
تتمثّل تلك المراوغة والمناورة، دبلوماسيّاً، بداية، في إظهار نوع من المداهنة في قبول نقاط من عروض أميركا لوقف الحرب ورفع منسوب مطالبها، من جهة أخرى، بخصوص الملف النّووي، أو ملف نزع أسلحة أذرعها،

 إضافة إلى إلغاء تحفيزات جيوسياسيّة كانت قد مُنحت لإيران، من قبل، من أميركا والغرب. وما زيارات وزير خارجيّة باكستان وتصريحات المسؤولين الإيرانيين، 

في هذا المقام، إلا جزء من تلك المقاربة للمراوغة والمناورة بقصد تجهيز الجميع لمسرح عمليّات عسكريّة واسعة، تكون هي الحاملة للجميع على قبول حزمة مطالب إيران، أو تقليل أثر مطالب أميركا منها لوقف الحرب.
 
هنا، في الموقف العسكري، إرادة إيرانيّة على إظهار أنّها لم تتصدّ وتصمد أمام الضّربات الأميركية، فحسب، بل هي كانت المبادرة إلى توسيع نطاق حصار المستقبلين القواعد العسكريّة الأميركيّة، سواء بالهجمات عليهم، أو بالمبادرة باستتباع غلق مضيق هرمز بإغلاق آخر أكثر ايلاماً لأكبر قوّة مصدّرة للنّفط عبر العالم (السّعودية) باستهداف باب المندب،

 كما أنّها استطاعت أن تناور، عسكريّاً، بتوسيع نطاق الحرب، بحيث أضحت تنطلق أدواتها (المسيّرات، بصفة خاصّة) من أكثر من مكان لتربك المشهد، أكثر، ولكي تعطّل إرادة نزع سلاح أذرع إيران. 

ومن ناحية أخرى، استطاعت أن تنقل الحرب من مواجهة ثنائيّة أميركية - إيرانية إلى حربٍ تكاد تشمل الأطراف الخليجيّة.

 وقد تشمل، أيضاً، أطرافاً أوسع ممّا يمكن تصوُّره من المتضرّرين عسكريّاً، بداية، ثمّ المتضرّرين اقتصاديّاً، وهم كثر. يكفي الاطّلاع على منحنيات أسعار الطّاقة، وأرقام الأداء في الاقتصاديّات الغربيّة، وتوجُّهاتها على المنظور القصير (إلى ثلاثة أو ستة أشهر)، 

من حيث إنها قاتمة، بل تنذر بانتكاسة عالميّة، حتّمت على الصّين اللجوء إلى مخزونها الاستراتيجي، وعلى الغرب التفكير في مناوأة أميركا (قريباً منها، في كندا) لعلها ترعوي وتوقف الحرب التي أضرّت بمصالحهم كثيراً.

الظاهرة الرابعة، استمرار إيران في أحلامها بألا تخرج من الحرب من دون أن تعيد عقارب التّحفيزات إلى ما كانت عليه مع مسحة استراتيجيّة، وهي اعتراف أميركا لها بدور أكبر في شؤون الخليج، مستقبلاً، ولو بتضحيتها بملفّها النّووي الذي هو، أصلاً، توقُّعي أكثر منه واقعي، 

إذ إنّ الوكالات الاستخباراتية الأميركية تؤكّد، فترة بعد أخرى، أن ليس لإيران قدرة على إنتاج القنبلة النّووية، وأنّ الملف الصّاروخي الإيراني هو الذي يقلق الغرب وأميركا، أكثر، 

ما يستدعي تعاملاً خاصّاً في المفاوضات التي يبدو أنّها اقتربت من أن تؤدّي إلى نهاية الحرب، بعد استنفاد طرفيها الأهم، إيران وأميركا، ما كان كلّ منهما يريده منها، وتحقّق مصالحهما، كليهما، وفق رؤى كلّ منهما ومن وجهة نظرهما.

لا يريد محلّلون كثيرون الحديث عن تلك الظّواهر التي يعتبرونها غير حقيقيّة (عابرة وليست هيكليّة). ولكنّها من النّوع الذي يجبرك على الصّمت وعدم رفع الصّوت بها، لأنّها تعطي للطّرف الإيراني جانباً من المبادرة. 

وقد تؤدّي به إلى العودة، من بعيد، في هذه الحرب، بأكثر من مصلحة الحفاظ على النّظام، بل وعلى أسلحة الأذرع الحليفة له، ورفع منسوب حجم التّحفيزات بالاعتراف بدور استراتيجي على ممرّين مائيين حيويّين للاقتصاد العالمي، مضيق هرمز وباب المندب، 

مع أفق استراتيجي آخر، هو حلّ القضايا العالقة (في لبنان واليمن خصوصاً) والإبقاء على الدّور المفتاحي في العراق، ما يعني أنّ الحرب التي خاضتها أميركا والكيان الصُّهيوني لصالح إيران ولصالح بقاء الأمور على ما هي عليه، 

وليس لإعادة تشكيل الشّرق الأوسط، وفق إرادة أميركية وصهيونية خالصة.
 
تحليلٌ آخر مزعج، أيضاً، يورده البعض، خاصّ بإرادة أميركا التخلّي عن حلفائها في الإقليم ما عدا الكيان، بل التضحية بهم في سبيل تحقيق مصلحة كبيرة لا يمكن تأجيلها، تتمثّل في منع الصين من الحصول على ما من شأنه التّمهيد لتربُّعها على عرش الهيمنة العالمية. 

وهي تقوم بذلك على الرّغم من كل التّعهدات والضمانات التي سبق إعطاؤها لشركائها في المنطقة الخليجية وفي الشّرق الأوسط برمّته. 

وبرز هذا، بصفة خاصّة، في مناورات ترامب للحصول على وقف إطلاق النّار من دون تسوية تداعيات ضربات إيران الدُّول الخليجية وتهديدها بشنّ هجمات على منشآت حيويّة ومحطات تحلية المياه، كونها شرايين الحياة للخليجيين ولاقتصاديّات المنطقة،

 إضافة إلى تلكُّؤ أميركا في حلّ معضلة مضيق هرمز، وتعطيل شريان حياة الخليج، وهو النّفط، ما ينذر بدخول المنطقة فترة كساد اقتصادي ومالي، مع استنزاف صناديقها السّيادية، ربّما للتخفيف من وطأة خدمة الدّين الأميركي الداخلي (40 تريليون دولار).

تلكم أهمّ التّحليلات التي لا نجد لها صدًى في نشرات أخبار قنواتٍ كثيرة اعتادت، أخيراً، على تقديم ما يحلو لبعضهم سماعه، مع الإصرار على استوديوهات تلفزيونيّة إخباريّة تجمع شتات التناقضات، ولا تسمح للواقعيّة بمسحة وجود أو فسحة تعبير، 

بالرّغم من أن الجميع يعرف، حق المعرفة، أنّ المسلّمة الوحيدة لأميركا في هذه الحرب هي أمنها ومصالحها وأمن الكيان ومصالحه ليس إلا، وليس أكثر ولا أقل، وتلك الحقيقة المرّة التي قد تمنع من الظهور على شاشات الأخبار.

محمد سي بشير
أستاذ جامعي وباحث جزائري