Logo

حاجة اليمن إلى دولة تنهي منطق الحرب

 أتصور أن الوطنية ليست شعاراً يرفع حين تقتضي الحاجة، ولا خطاباً عاطفياً يستدعى لتبرير موقف سياسي، وإنما هي قبل ذلك معيار أخلاقي وسياسي يقاس بوضوح ترتيب الأولويات. 

فحين يكون الوطن هو المرجع الأول للقرار، تصبح مصلحة الإنسان معياراً لأي تحالف أو مواجهة أو سياسة، وحين تتقدم مصالح الخارج عليه، تفقد الوطنية جوهرها ولو بقيت شعاراتها حاضرة في الخطب والبيانات.

تبدأ من هنا المشكلة الحقيقية في اليمن: ليس في اختلاف المواقف السياسية وحده، بل في سؤال الأسئلة المتعلق بمن يملك حق تحديد الأولويات، ومن يقرر متى يخوض اليمن حرباً، ولماذا، ومن يتحمل كلفتها، وإلى أي مستقبل تقود أبناءه.

لاحظوا معي من فضلكم أن اليمني لا يعود شريكاً في صناعة القرار حين تقدم مصالح دولة أجنبية على مصالح الوطن، بل يتحول مع مرور الوقت إلى أداة في صراع لا يملك تحديد أهدافه ولا نهاياته، وهو ما يتجلى في الحال الحوثية على نحو لا يحتمل اللبس. 

وهذه هي أخطر صور التبعية السياسية، لأنها لا تكتفي بمصادرة القرار، وإنما تعيد تعريف الإنسان نفسه باعتباره وقوداً لمعارك تتجاوز مصالحه المباشرة ومستقبله.

لاحظوا أيضاً أن اليمني الذي يحتاج إلى مدرسة ومستشفى وطريق وراتب وفرصة عمل وأمن يحمي أسرته، لا يمكن إقناعه بأن استمرار الحرب هو قدر وطني لمجرد أن جهة خارجية كإيران ترى في اليمن موقعاً مهماً ضمن حساباتها الإقليمية.

 فالوطنية تبدأ من حماية الإنسان، لا من استخدامه في مشاريع احترابية لا تمنحه شيئاً سوى مزيد من الخسائر.

من هذه الزاوية، المشار إليها بعاليه، يمكن النظر إلى الحضور الإيراني في اليمن بعيداً من الشعارات المتبادلة، وبالعودة لسؤال بسيط: ماذا أضاف هذا الحضور إلى حياة اليمنيين؟

لم تأتِ إيران إلى اليمن بمشروع وطني لبناء مؤسسات الدولة، أو منظومة تعليمية، أو مستشفيات قادرة على إنقاذ مجتمع أنهكته الحرب، وإنما ارتبط حضورها، وفق ما تكشف عنه مسارات الصراع، بالسلاح والخبراء والدعم السياسي والأيديولوجي. 

والنتيجة التي يلمسها اليمنيون على الأرض بالطبع ليست نهضة في مؤسساتهم، بل حرب ممتدة مع ميليشيات لا تفهم إلا لغة السلاح، واقتصاد منهك، ورواتب متوقفة، وبنية مؤسسية مدمرة، وفقر وجوع ونزوح. 

وهذه المفارقة وحدها تكفي لإعادة طرح السؤال: هل ما يقدم بوصفه مشروعاً سيادياً يخدم اليمن فعلاً؟

لاحظوا معي مرة أخرى أن قيمة أي مشروع سياسي لا تقاس بما يعلنه عن نفسه، وإنما بما يتركه في حياة الناس. أليس كذلك؟ 

فإذا كان المشروع يوسع دائرة الخوف، ويعمق الفقر، ويعطل مؤسسات الدولة، ويحول المجتمع إلى بيئة مفتوحة للحرب كما تفعل الميليشيات الحوثية تماماً، فإن ادعاء تمثيله للمصلحة الوطنية لا يصبح في حاجة إلى مراجعة جادة، بل إلى من يردعه طالما هي ميليشيات لا تفهم إلا لغة السلاح.
 
والميليشيات التي تجعل اليمن يدفع كلفة حسابات إقليمية لا تستطيع، بقوة السلاح وحدها، أن تدعي أنها تعبر عن الإرادة الوطنية. فالإرادة الوطنية تبنى من رضا المجتمع ومؤسسات الدولة والقانون والمصلحة العامة، لا من فرض سلطة أمر واقع بقوة السلاح. 

ومن ثم فإن المشكلة ليست فقط في "طبيعة السلاح" الذي تمتلكه الميليشيات الحوثية، بل في "الوظيفة" التي يؤديها هذا السلاح: هل يحمي اليمن أم يحوله إلى ساحة لتنفيذ أجندة تتجاوز حدوده؟

ولعل أخطر ما تفعله التبعية السياسية في تصوري هو أنها تفرغ الدولة من مضمونها من دون أن تلغي شكلها بالضرورة. فقد تبقى الجغرافيا قائمة، وتبقى المؤسسات بأسمائها على نحو ما، ويبقى العلم مرفوعاً، لكن القرار الفعلي ينتقل إلى خارج الحدود. 

وعندها تصبح السيادة صورة بلا مضمون، لأن سلطة الأمر الواقع التي لا تملك قرار الحرب والسلم، ولا تستطيع تحديد مصالحها العليا، تفقد جوهر استقلالها تماماً. ومن يتلقى توجيهاته من الخارج لا يملك، منطقياً ولا أخلاقياً، حق رسم مصير وطن بأكمله.

 فالسيادة لا تتجزأ، والاستقلال لا يقبل الوكالة، والقرار الوطني لا يمكن أن يكون امتداداً لقرار عاصمة أخرى.

واليمن، بتاريخ حضارته وعمق هويته العربية، أكبر من أن يختزل في وظيفة جيوسياسية تخدم صراعات الآخرين كما تفعل الميليشيات الحوثية. 

فهو ليس محافظة تابعة لأحد، ولا منصة لإدارة نزاعات إقليمية، ولا ورقة تفاوض تستخدم كلما احتاج النظام الإيراني إلى تحسين موقعه في المنطقة.

في الواقع إن اختزال اليمن في هذه الوظيفة يمثل ظلماً لتاريخه ولإنسانه معاً، لأن الأوطان لا تقاس فقط بموقعها على الخريطة، وإنما بما يمثله وجودها في وعي أبنائها.

واليمنيون الذين حملوا أثقال الحرب طوال السنوات الماضية ليسوا رقماً في معادلة نفوذ، وإنما بشر لهم الحق في حياة طبيعية ومستقبل آمن. وكل مشروع يتجاهل هذا الحق، مهما كانت شعاراته، يضع نفسه في مواجهة المعنى الحقيقي للوطن.

ولهذا فإن كل مواجهة تفتح لخدمة أجندة خارجية لا تنتهي نتائجها عند حدود الميدان، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع والإنسان. 

فكل صاروخ يطلق، وكل منشأة تتضرر، وكل طريق يتعطل، وكل أسرة تنزح، وكل طفل ينقطع عن التعليم، يضيف كلفة جديدة إلى مستقبل اليمن، من دون أن ننسى أن الطرف الخارجي وهو هنا النظام الإيراني لا يتحمل الكلفة الإنسانية المباشرة التي يتحملها اليمنيون في مدنهم وقراهم ومنازلهم.

تتكشف هنا المفارقة الكبرى: من يرفع شعار مواجهة العالم كما تفعل الميليشيات الحوثية بشعارها المتطرف: الداعي إلى الموت لا إلى الحياة، سينتهي عملياً إلى إضعاف وطنه وإفقار مجتمعه وإطالة أمد أزمته وكأنها قدر دائم.

ولذلك فإن معيار الوطنية الحقيقي ليس عدد المعارك التي تخاض باسم اليمن، ولا برفع الشعارات المتطرفة الداعية إلى الموت، وإنما مقدار ما تحميه هذه المعارك من حياة اليمنيين ومصالحهم وحقهم في المستقبل.

وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، فإن استعادة القرار اليمني ليست موقفاً سياسياً عادياً أو عابراً، ولا مجرد بند يمكن تأجيله إلى مرحلة لاحقة، بل ضرورة وجودية لاستعادة معنى الدولة نفسها. 

فالدولة ليست حدوداً جغرافية فحسب، وإنما قدرة قانونية ومؤسسية على اتخاذ القرار وتنظيم المجتمع وحماية الحقوق وإدارة الموارد وتحديد العلاقات الخارجية وفق المصلحة الوطنية وبما يحفظ أمن الوطن وأمن جيرانه بالضرورة.

واليمني الحر لا يقبل أن تكون أرضه ساحة لمشروعات الآخرين، ولا أن يتحول أبناؤه إلى وقود لحروب لا تخدم وطنهم. 

في الواقع إن عبارة "اليمن أولاً" لا ينبغي أن تكون شعاراً جديداً، بل قاعدة حاكمة لكل قرار سياسي وعسكري واقتصادي، لأن الوطن الذي لا يضع نفسه أولاً في حساباته، سيجد الآخرين يضعونه دائماً في آخر حساباتهم. 

وعندما تصبح الميليشيات الحوثية أداة لتنفيذ أجندة خارجية بقوة السلاح، فإن استعادة الدولة لا تعود خياراً بين خيارات سياسية متساوية، وإنما تصبح ضرورة وطنية وأخلاقية لا مفر منها لإعادة بناء الشرعية والسيادة والمؤسسات.

لنتذكر معاً أن المشكلة التي بدأت بالانقلاب على الدولة بقوة السلاح في الـ21 من سبتمبر (أيلول) 2014 لم تتوقف عند تغيير موازين السلطة، بل أنتجت مساراً أوسع من تفكيك الدولة وإضعاف مؤسساتها وإبقاء المجتمع داخل دائرة حرب لا تريد أن تنتهي.

ولذلك فإن استعادة الدولة ليست انتقاماً من طرف، ولا إقصاءً لمجتمع، وإنما استعادة للإطار الوطني الذي يستطيع داخله اليمنيون إدارة اختلافاتهم سلمياً. وحدها الدولة ومن يمثلها - وهو هنا مجلس القيادة الرئاسي - القادرة على احتكار السلاح وفق القانون تستطيع إغلاق الطريق أمام تحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

في نهاية المطاف كخلاصة، أرى أن المعركة الأهم ليست فقط مع "السلاح" الذي صادر القرار، بل وأيضاً مع "الفكرة" التي تحاول إقناع اليمني بأن مصيره لا يمكن أن يصنع إلا من خارج وطنه.

بعبارة أخرى أدق وأوضح: استعادة اليمن تبدأ حين يستعيد الإنسان حقه في أن يكون صاحب الأولوية في وطنه، وحين يصبح القرار السياسي تعبيراً عن مصالح المجتمع أولاً وأخيراً، وهذا لن يحدث إلا باستعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح.

في الواقع ما يحتاج إليه اليمن ليس حرباً بلا نهاية، وإنما "دولة تنهي منطق الحرب" الذي فرضته الميليشيات الحوثية بقوة السلاح، وتعيد الاعتبار للقانون والمؤسسة والمواطنة التي تجعل المواطن يعيش بكرامة.

 فاليمن أولاً ليست عبارة انفعالية، بل فلسفة في الحكم والسياسة معاً: أن يكون الإنسان اليمني غاية القرار، وأن تكون سيادة وطنه شرطاً لأية علاقة خارجية، وأن يستعيد اليمن حقه الطبيعي في أن يصنع مستقبله الآمن بيده.

سامي الكاف
 صحافي وكاتب يمني