Logo

طبخة الارتزاق والمعارك المصيرية

 يبدو أن لدينا في اليمن جبهة أخرى غير جبهات القتال، جبهة اسمها: "طبخة عودة المرتزقة".
المعارك تدور على تخوم الجنوب، والحوثي يهدد، والناس تنتظر الكهرباء والراتب والأمان، وبعض السياسيين لا يشغلهم من كل هذا إلا سؤال واحد: متى يعود فلان؟
وإذا استدعت السعودية وزيراً، قالوا: «هناك ترتيبات جديدة».
وإذا تحدث مسؤول إماراتي، قالوا: «اقتربت العودة».
وإذا تحرك أحد من الرياض إلى أبوظبي، بدأت التحليلات: «المشهد تغير».
وإذا تأخر أحدهم يومين عن الظهور، خرجت نظرية جديدة: «هناك طبخة سياسية».
حتى أصبحنا نشعر أن مستقبل اليمن كله يُطبخ في مطبخ إقليمي، ونحن مجرد صحون تنتظر التقديم!
والحقيقة أن المشكلة ليست في السعودية ولا الإمارات وحدهما، فالدول تبحث عن مصالحها، وهذه قاعدة في السياسة. المشكلة في السياسي اليمني الذي لا يزال ينتظر من الخارج أن يخبره: متى يبدأ؟ ومتى يعود؟ ومع من يتحالف؟ ومن يصبح عدوه؟
وكأن الرجل السياسي اليمني لا يملك سوى جهاز تحكم عن بعد، والبطاريات عند الكفيل!
والأكثر إثارة للسخرية أن بعضهم يتحدث عن «استعادة المجد» وكأننا أمام إمبراطورية سقطت، وليس أمام تجربة سياسية انتهت بما انتهت إليه من أزمات وانقسامات ودماء.
أي مجد هذا الذي يحتاج كل مرة إلى طائرة تعيده؟
وأي مشروع وطني هذا الذي يبدأ بالسؤال: «هل سيعود فلان؟» بدلاً من السؤال: «كيف تعود الدولة؟»
هناك فرق كبير بين أن تعود دولة إلى مؤسساتها، وأن يعود شخص إلى موقعه.
الدولة لا تحتاج إلى عودة الأشخاص بقدر ما تحتاج إلى عودة القانون.
والمؤسسات لا تحتاج إلى زعيم جديد بقدر ما تحتاج إلى نظام لا يجعل مصيرها مرتبطاً بالزعيم.
أما الذين ينتظرون عودة من غابوا، فعليهم أولاً أن يجيبوا عن سؤال بسيط: بأي قواعد سيعودون؟
هل يعودون بالقانون؟ أهلاً وسهلاً.
هل يخضعون للمساءلة إذا كانت هناك اتهامات أو قضايا؟ هذا شأن القضاء.
هل يقبلون بالتعدد السياسي والشراكة؟ مرحباً بأي مواطن.
أما أن تكون العودة بمعنى: «عاد فلان، فعادت معه جماعته، وعادت معها الامتيازات، وعاد معها منطق كن معي أو أنت عدوي»؛ فهذه ليست عودة وطن، وإنما إعادة تشغيل للنسخة القديمة من الأزمة.
والغريب أن البعض لا يزال يتعامل مع السياسة كأنها مباراة كرة قدم: إذا عاد لاعبنا فسنفوز، وإذا خرج لاعبهم انتهى البلد!
يا جماعة، الوطن ليس فريقاً، والمواطنون ليسوا جمهور مدرجات، والسياسة ليست مباراة بين «جماعتنا» و«جماعتهم».
هناك عدو حقيقي، وهناك دولة مهددة، وهناك مواطن يريد أن يعيش بكرامة، وهناك جبهات يدفع فيها يمنيون حياتهم.
وفي مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن تتراجع الخصومات الشخصية إلى الخلف.
لكن يبدو أن البعض لديه ترتيب أولويات خاص جداً:
الوطن أولاً... بعد عودة فلان!
الدولة أولاً... بعد الاتفاق مع الراعي!
المعركة الوطنية أولاً... بشرط أن يكون قائدها من جماعتنا!
وهكذا يتحول الوطن من قضية عامة إلى مشروع شخصي، وتتحول المعركة من معركة دولة إلى معركة كراسي.
ثم عندما يسقط المشروع، يبدأ البحث عن شماعة جديدة.
والتاريخ في النهاية لا يجامل أحداً.
من يعلو بالاستقواء والضجيج والشخصنة قد يظن أنه وصل إلى القمة، لكنه يكتشف لاحقاً أن القمة التي لا تقوم على مشروع وطني ليست قمة، وإنما سلم موضوع على أرض متحركة.
يصعدون بسرعة...
ثم يسقطون بسرعة...
ثم يعودون ليشرحوا لنا أن المشكلة كانت في «المؤامرة».
ربما المشكلة أبسط من ذلك بكثير:
لقد حاولوا أن يكونوا أكبر من الوطن، فاكتشفوا أن الوطن أكبر منهم.
وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يفهمها الجميع:
لا نريد عودة الأشخاص إلى الماضي، نريد عودة اليمنيين إلى الدولة.
لا نريد استعادة النفوذ، نريد استعادة المؤسسات.
لا نريد «مجد فلان»، نريد كرامة المواطن.
ولا نريد يمنياً ينتظر من الخارج أن يقول له من يعود ومن يذهب.
نريد يمنياً يعرف أن وطنه ليس غرفة انتظار في عاصمة أخرى.

✍️ أ  أحمد ناصر حميدان
         كاتب وباحث يمني