Logo

إثيوبيا ـ إريتريا: مشروع حرب دائم

 لماذا تبدو قصص القرن الأفريقي عصيّة على الإصلاح أو المعالجة؟ لا تُعدّ التطورات أخيراً في إثيوبيا، أو بين إثيوبيا وإريتريا، أمراً جديداً، بل مسالة روتينية تتكررّ كل بضع سنوات، بغضّ النظر عن الحكام في كلّ من أسمرة وأديس أبابا. 

الخلاف بينهما جزء من صورة أكبر، تتعدّى الحدود القومية وإقليم تيغراي إلى الحاجة الإثيوبية لممرّ مائي على البحر الأحمر، لم تحصل عليه مع الصومال وأرض الصومال، ولا مع جيبوتي وإريتريا.

 الأمر صعب عموماً على أديس أبابا التي لطالما كانت في قلب الصراع بين المعسكرين السوفييتي والأميركي إبان الحرب الباردة (1947 ـ 1991)، في وقتٍ كانت أسمرة جزءاً منها، قبل الاستقلال في عام 1993، بعد أكثر من ثلاثة عقود من حرب الاستقلال. 

لم تعد إثيوبيا قادرة على تأمين تمددها وحجمها والوصول إلى البحر، رغم إمكاناتها الوفيرة، حتى جمهورية الكونغو الديمقراطية تتمتع بشاطئ، ولو ضيّق، على المحيط الأطلسي، يكفي لمنحها حقوقاً مائية عبر الجرف القاريّ.

 إثيوبيا، في عقل رئيس وزرائها أبي أحمد، تحتاج إلى ذلك، وكل من يقرأ عكس المكتوب لا يرى ما تريده أديس أبابا فعلاً.

ما فعله أبي أحمد في سنوات حكمه، منذ تسلمه رئاسة وزراء بلاده في عام 2018، هو محاولة تكريس مفهوم "إثيوبيا الموحّدة"، العابرة للقوميات والإثنيات، على الرغم من تمرّد إقليم تيغراي.

 فهم أحمد أن قوة المركز في أديس أبابا تبقى المعيار الأساسي لقيادة إثيوبيا، لا أن يصدر قرار أديس أبابا من ميكيلي عاصمة تيغراي، كما حصل في عقود ما الحرب الباردة. 

تعامل أحمد مع دول الجوار وفق حسابات أمنية ـ عسكرية، ما جعله على مشارف حروب متنقلة، علماً أنه رفع شعار "صفر مشاكل" مع جيران إثيوبيا. 

مع ذلك، فإن أبي أحمد أنهى مرحلة انتقالية، وسينتقل إلى مرحلة أكثر تشدّداً مع محيط بلاده.

 لا يعود ذلك إلى حسمه السيطرة على إقليم تيغراي في الأيام الأخيرة، أو في إدارة ملف سد النهضة بما يلبي المطالب الإثيوبية، بل أيضاً لاستفادته من مناخ حربي يسود باب المندب والبحر الأحمر، بفعل تجدد الحرب في اليمن. 

وبصفته مشروع حليف سياسي وميداني، فإن أبي أحمد يعمل حالياً على تمتين موقفه تجاه إريتريا، حليفته في الحرب ضد متمردي تيغراي بين عامي 2020 و2022، وخصمه الآن في المنطقة نفسها. 

وإذا ما تمكن أبي أحمد من فرض ما يريده على الإريتريين، فإنه لن يتردد في رفع سقف مواجهته مع المصريين بشأن سد النهضة، أو مع السودانيين، على خلفية اتهام الجيش السوداني أديس أبابا بتأييد قوات الدعم السريع، وحتى مع الصوماليين برفع مستوى التنسيق مع الانفصاليين في أرض الصومال.

 في المقابل، تبدو الورقة الإريترية محدودة أكثر. قوة إريتريا تاريخياً تنبع من كونها قوة دفاعية لا هجومية، فضلاً عن أن انغلاقها، ولو أنها ليست كوريا الشمالية، لا يسمح لها في التمدّد حتى لو أرادت ذلك. 

إريتريا غير قادرة على خوض حرب هجومية طويلة الأمد، خصوصاً أن كلفتها أصبحت أعلى مما يمكن تحمّله.

في السابق، كانت الحرب بين إثيوبيا وإريتريا منسيّة، طالما لا تطاول خطوط الملاحة البحرية في البحر الأحمر. 

أما اليوم، فإن أي صراع بينهما سيزيد من خطورة مشاريع الحلول والحروب في اليمن ضد الحوثيين لحسم ملف مضيق باب المندب، خصوصاً لأن المنطقة المعنية تقع بالكامل جنوبي البحر الأحمر، ما يجعل من أي اضطراب أكبر من السيطرة عليه.

 لذلك، من غير المستبعد أن أبي أحمد، وبصفته رجلاً استخباراتياً، يفهم أن تأدية إثيوبيا دور اللاعب الإقليمي الأكبر في القرن الأفريقي قد يكون متاحاً، في ظلّ أدبيات مصرية فحواها "إبعاد البلاد عن الأزمات"، وحرب سودانية تبدو بلا نهاية، وتوترات صومالية تبدأ من القرصنة وتنتهي عند حركة الشباب، واقتناع جيبوتي بدورها ممراً بحرياً. 

وبوابة أبي أحمد لإطباق النفوذ على القرن الأفريقي تبدأ من تيغراي، واستطراداً إريتريا، غير أن المغامرة المرتقبة فيها من المخاطرة ما يُنذر بنشوب حرب استنزاف أخرى، لا أفق جدياً لها سوى توسيع بيكار القتال في أفريقيا. 

غير أن أبي أحمد سيفعلها، بذريعة أن لا آخر له، مع تضخم الأسعار عالمياً، وازدياد الضغوط على الداخل الإثيوبي، الذي تبقى مجاعة الثمانينيات شبحاً يؤرق لياليه، ولا يريد تكرارها، ولو كان الثمن حرباً مع الجيران في الشرق، لمحاولة طي حساب مفتوح منذ أكثر من نصف قرن.

بيار عقيقي
صحافي لبناني