Logo

الشرعية والحوثي وجهان لعملة واحدة

 لم تكن مأساة اليمن قدرًا محتومًا، ولا نتيجة حرب طارئة، بل كانت النتيجة الطبيعية لعقود من العبث، فمنذ عهد علي عبدالله صالح تأسست منظومة كاملة تقوم على شراء الولاءات، وإدارة التناقضات، وإبقاء الجميع في حالة احتياج دائم إلى الحاكم. 

وتحولت الدولة إلى شبكة مصالح متشابكة، وتراجع مفهوم المواطنة أمام سطوة النفوذ القبلي والعسكري والسياسي... حتى قُتل وقُتلت الدولة معه.

أما الذين جاؤوا بعده، فهم نسخة أكثر رداءة منه؛ الوجوه نفسها تقريباً، والعقليات ذاتها، والممارسات ذاتها، وحتى الروح ذاتها، ما حدث لم يكن سوى إعادة تدوير للوجوه والكراسي، حاملين إرث العفاشية بكل علله تحت شعارات جديدة، ثم أضافوا إليه كوارث الحرب والانقسام والارتهان للخارج.

ومع انقلاب مليشيا الحوثي، وانهيار مؤسسات الدولة، وتحول الحرب إلى بيئة مثالية للفوضى والفساد والارتزاق السياسي، باتت القيادة تدير المشهد من المنفى، بينما تعصف الانقسامات بمعسكر الشرعية نفسه، وتتضارب الولاءات بين العواصم والأجندات الإقليمية.

 وفي الوقت ذاته، أُقصيت الكفاءات والخبرات القادرة على خدمة اليمن لأنها لا تنتمي إلى شبكات المصالح والمحاصصة. 

فصعد الانتهازيون، وتصدر الفاشلون، وتحولت المناصب إلى غنائم، بينما دُفعت العقول الوطنية إلى الهامش، حتى وصل الانحدار إلى مرحلة بات فيها قرار التعيين والعزل والترقية لا يُصنع في صنعاء ولا في عدن، بل ينتظر الضوء الأخضر من التحالف.

أما الكارثة الكبرى التي لم ينتبه إليها كثيرون وسط ضجيج الشعارات، فهي أنها خلقت واقعًا مشوهًا لم يكن اليمنيون يتخيلونه يومًا. 

فكما تعايشت الشرعية مع حياة المنفى ورخاء الفنادق والعواصم الخارجية، اضطر المواطن اليمني المغلوب على أمره إلى التعايش أيضًا مع سلطة الحوثي وبطشها وأمرها الواقع، لا حبًا بالمليشيا ولا اقتناعًا بمشروعها، بل لأن الناس أنهكتها الوعود الكاذبة والخطابات المكررة. 

وهكذا وجد اليمني نفسه بين سلطة أمر واقع تحكمه بالقوة، وقيادات تدّعي تمثيله من الخارج، بينما تتقاسم النفوذ والمناصب والغنائم في الرياض وأبوظبي، حتى بدا كأن استعادة اليمن قد أُجّلت عمدًا.

ولعل أخطر ما حققته الحرب ليس سيطرة الحوثي على الأرض فحسب، بل نجاحها في دفع اليمنيين إلى التعايش مع واقع ما كانوا ليقبلوا به لولا أن خذلتهم جميع الأطراف التي ادّعت يومًا أنها جاءت لإنقاذهم.

ولهذا، فإن الجريمة الحقيقية في اليمن ليست أن الدولة سقطت، بل إن الذين أسقطوها ما زالوا يتناوبون الوقوف فوق حطامها، يرفعون صورهم كمنقذين وحماة للوطن، بينما يخفون في جيوبهم مفاتيح الخراب. 

فاليمنيون لم يخسروا دولتهم يوم سيطر الحوثي على صنعاء، بل يوم اكتشفوا أن من يزعمون تحريرها لا يختلفون كثيرًا عمّن استولوا عليها.

✍️ أ  أماني الهاشمي
         كاتبة وناشطة يمنية