Logo

النخب العربية وإيران… بين التقوى والتقية

 في البداية ينبغي التوقف عند المصطلحين الواردين في العنوان (التقوى والتقية) لإيضاح الفكرة، حتى يكون القارئ على درايةٍ ومعرفةٍ بالمقصود. فما معناهما؟
إن التقوى في اللغة هي الوقاية وحفظ الشيء مما يؤذيه، ومعناها الشرعي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، طلباً للفوز بالدارين، الدنيا والآخرة. وتشترك التقية مع التقوى في الوقاية والحذر والخشية وحماية النفس من الأذى. 
أما بخصوص معناها الاصطلاحي فيتمثل في إظهار الإنسان عكس ما يؤمن به من عقيدة أو فكرة أو رأي، خوفاً أو خشيةً، وتعتبر التقية إحدى مميزات المذهب الشيعي، يلجأ إليها صاحب المذهب إذا واجه خطراً حقيقياً أو محتملا، 
ومن ثمة، فهي وسيلة لحفظ النفس وإنقاذها من التهلكة. ومع أنه يوجد اشتراك في المعنى بين التقوى والتقية إلا أن هناك اختلافاً بينهما، كما سيتضح ذلك في ما بعد، في الغايات.
وكما هو معلوم، فإن النخب العربية ذات توجهات متعددة ومشارب مختلفة، منها الإسلامي والعلماني والليبرالي والماركسي والعروبي والمتغرب. وعلى الرغم من هذا التنوع الذي يصل إلى حد التضاد، 
كما يبدو، فإنهم قد اتفقوا على موالاة النظام الإيراني في حربه الوحيدة ضد أمريكا، على الأقل، إلى حد الآن، متناسين جرائم إيران في المنطقة، وتحالفها مع أمريكا والغرب على إجهاض الربيع العربي في سوريا واليمن خاصة.
صحيح أن تأييد إيران في حربها هذه، هو تأييد لمظلوم تعرّض لاعتداء غاشم من طرف أمريكا والكيان الصهيوني، ووقوف ضد مشاريع تزيد في إضعاف المنطقة وتساهم في تقسيمها أكثر، ومحاولة لإنقاذ ما تبقى من كرامة وسيادة وثروة،
 لكن، الغريب في الأمر أن تجد من يزايد عندما يربط هذه الحرب بدفاع إيران عن فلسطين والقدس، واحتضانها للممانعة، وقبل كل ذلك تزعمها محور المقاومة لمواجهة قوى الاستكبار العالمي، الممثلة أساساً بأمريكا والصهيونية، 
مع أن هذه الحرب بالنسبة لإيران هي حرب استدعتها الضرورة لأجل حماية نظامها من السقوط والانهيار. إذن، هي حرب الضرورة لحماية النظام من السقوط، ولا علاقة لها، في واقع الأمر، لا بفلسطين ولا بالقدس،
 فضلا عن ذلك أن إيران قامت بتوظيف قضية فلسطين، شأنها شأن الأنظمة العربية، التي قامت، هي الأخرى، بتوظيف القضية لصالحها،
 إذ أن الأولى استثمرت في المقاومة، ونالت من خلاله التأييد الشعبي ورضاه، والأخرى، استثمرت في السلام، ولاقت الرفض الشعبي وغضبه.
 بناءً على ذلك، استطاع النظام الإيراني من خلال ورقة المقاومة تصدير مشروعه التوسعي إلى العديد من المناطق العربية، بدءا بلبنان ثم العراق مروراً بسوريا وصولا إلى اليمن. 
لقد كان توّسع هذا المشروع كغيره من المشاريع التوسيعية والاستعمارية، بل أفظع، لأن إيران ليست كيانا دخيلا على المنطقة، بل هي جزءٌ أصيل منها، تلتقي مع شعوب المنطقة في مرارات التاريخ وضرورات الجغرافية، وما يجمعهما أكثر مما يفرقهما، لكنها الأنانية وحب العلو والسيطرة جعل التاريخ المشترك ينقلب إلى لعنة، والجغرافية الواحدة إلى نقمة.
ومع أن النظام الإيراني كان يرفع رايات الدفاع عن المظلومين، ومدافعة قوى الاستكبار، غير أن عقيدته التوسعية جعلته يعتمد القتل على الهوية الطائفية، فأدى إلى قتل وتهجير ديموغرافي في بعض المناطق المسيطر عليها، 
المهم أن يتوفر التوافق الطائفي، ولعل أبرز مثال على ذلك العراق، الذي ما زال ينزف ويدفع الأثمان الباهظة من استقلاله واستقراره وأمنه وخيراته، لأنه أُرغم على أن يعيش في الزمن الإيراني.
للأسف، يحاول الكثير من النخب العربية محو جرائم إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن بمبرر مساندتها للمقاومة الفلسطينية، ومعاداتها للكيان الصهيوني، والاستكبار الغربي، 
مع أن مساندتها للمقاومة كان الهدف منه السيطرة (حزب الله في لبنان أو جماعة الحوثي في اليمن أو الميليشيات في العراق) أو الاختراق (اختراق سوريا بمرتزقتها) 
 وصراعها مع الكيان والغرب ما هو، في الحقيقة، سوى صراع إرادات ونفوذ بين مشاريع مختلفة يجمع بينها، في الأخير، منع المنطقة من النهوض، وتأخير استئناف دورها الحضاري.
هنا، وقعت النخب العربية بين التقوى والتقية، إذا جاز استعارة التعبير الجميل للمفكر أبي يعرب المرزوقي؛ التقوى تطلب قول الحقيقة، والاحتكام لميزان الحق، ومجابهة الظلم ومقاومته. 
بينما التقية تطلب تزييف الحقيقة، ومداهنة الباطل، والركون للظالم اتباعاً للهوى، وطمعاً في الامتيازات. التقوى ترمي إلى توحيد التاريخ بعدما تشتت، وتجميع الجغرافية بعدما تفتتت. 
والتقية ترمي إلى إبقاء التاريخ مشتتاً والجغرافية ممزقةً حتى يسهل اختراقها والسيطرة عليها.
التقوى تسعى إلى الاستقلال والتحرر.. في حين التقية تقبل بالتبعية والحماية.
وبما أن النخب العربية ضعيفة، ضائعة، وخائفة، اختارت السهل «التقية» بدل الصعب «التقوى»، لأنها لا تريد التضحية، لا تريد المواجهة، ولا تريد الحقيقة والحرية.

 سعدون يخلف
كاتب جزائري