Logo

احتجاجات فرنسا تتسع... ماكرون بين ضغط الشارع وعجز الحكومة

 تدخل فرنسا، اليوم الاثنين، أسبوعاً جديداً من الاحتجاجات، مع عودة التلاميذ إلى ثانوياتهم بعد عطلة الخريف، وتهيّؤ النقابات وشرائح من الموظفين لإضراب الخميس المقبل،

 فيما لا تزال الحكومة بعيدة عن التوصل إلى تسوية مع حراك بدأ، قبل نحو شهر ونصف شهر، بمطالب تعليمية، ثم اتسع ليشمل غلاء المعيشة وأسعار الوقود وتراجع الخدمات العامة. 

ولم تقنع القرارات الجزئية التي أعلنتها الحكومة ووعودها المؤجلة حشود المحتجين، بينما يحدّ ضعف النمو في فرنسا وتراكم ديون الدولة من قدرتها على زيادة الإنفاق لتلبية مطالبهم. 

ولا يبدو الرئيس إيمانويل ماكرون مستعداً، بدوره، لتقديم تنازلات إضافية للشارع، في وقت يتهمه فيه اليمين واليمين المتطرف بالعجز عن استعادة "النظام".

سلطة مكبلة في فرنسا

والحقيقة أن التظاهرات التي تعم فرنسا بدأت أيضاً تأخذ نفساً يتسم بالتحدي، بين الطلاب والنقابات من جهة، والسلطة من جهة، إذ يرفع العديد من المتظاهرين شعار "حقّ التظاهر" 

 ويؤكد بعضهم للإعلام انهم باتوا يشاركون في التظاهرات حماية لحقّ التظاهر، بعد سلسلة إجراءات قمعية استخدمتها السلطة بحقهم، وتصميمها على تمرير مشروع قانون "المخرّب يدفع"، الذي أقره مجلس الشيوخ الفرنسي، وأحيل إلى البرلمان الذي يضم ممثلين عن جميع الأحزاب لمناقشته.

 وهذا المشروع مثير للجدل، ويعتبره حقوقيون ونقابيون ومنظمات حقوقية ظالماً وقمعياً، ومن شأنه إذا ما أقرّ أن يدفع الناس إلى عدم المشاركة، في وقت تتباهى فرنسا بديمقراطيتها وكفالتها حقّ الاعتراض. 

وينصّ مشروع القانون على إمكانية إلزام المتظاهرين بدفع ما يصل إلى 10 آلاف يورو تعويضاً عن الأضرار التي تقع خلال الاحتجاجات، لكن منتقدين يحذرون من أن المسؤولية المالية قد تشمل أشخاصاً لم يشاركوا في أعمال التخريب، وهو ما يتضمنه القانون فعلاً إذ لا يقتصر التدفيع على المنفذين بل على من يرتبطون بهم. 

وتجادل الحكومة بأن المشروع صيغ في الأصل رداً على أعمال الشغب التي أعقبت فوز فريق كرة القدم باريس سان جيرمان على أرسنال في نهائي دوري أبطال أوروبا في مايو/أيار الماضي.
 
في غضون ذلك، تبدو الحكومة مكبلة لجهة إمكانية تقديمها تنازلات كبيرة للمتظاهرين المطالبين بتحسين المعيشة. ومن جهة، تعد الأزمة المالية والاقتصادية مزمنة ومعقدة، 

ومن جهة أخرى فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تسلم الحكم للمرة الأولى في عام 2017 قدم إلى السلطة من عالم المصارف والأعمال، وهو وحكومته، التي تضم وجوهاً تعدو جميعها من معسكر اليمين، لا يزالان يرفضان تحميل الأغنياء عبء الضرائب، في وقت تواجه البلاد أزمة ديون سيادية متفاقمة.

 يضاف إلى ذلك أن أزمة ارتفاع أسعار المحروقات، سواء بسبب حرب إيران أو حرب أوكرانيا، تترك أثرها بقوة ليس على فرنسا فقط بل على أوروبا بأكملها، ناهيك عن أزمات بنيوية أخرى ترتبط بأولويات الحكومات الفرنسية المتعاقبة، لا سيما في عهد ماكرون الذي مرّر قانون إصلاح التقاعد رغماً عن البرلمان، 

في وقت يزداد ما يرى فيه متابعون "انفصالاً عن الواقع" يعيشه الطلّاب، باعتبار أن احتجاجاتهم هي من عادت وحركت الشارع أخيراً، أو أصحاب الدخل المحدود والطبقات الوسطى الذين يجدون تقلّصاً للضمانات الاجتماعية، ويعيشون خوفاً على المستقبل.
 
ومع أن مشكلة التعليم في فرنسا تنمّ عن تراكم أزمات ومعالجات ضيّقة، تضاف إليها أسباب عامة مثل تراجع الولادات (دفع ذلك إلى جمع طلّاب في بلدات صغيرة مثلاً في مدرسة واحدة بإحدى البلدات)، أو نقص الكادرات التعليمية،

 إلا أن حكومة سيباستيان لوكورنو لا تبدو متحمسة لمعالجة جذور الأزمة، بل يواصل ماكرون وحكومته سياسة تقطيع الوقت، والتركيز على حماية الممتلكات العامة وتحميل المتظاهرين مسؤولية أي تخريب، والعمل على كل ما أمكن لدفع الناس إلى عدم المشاركة في التظاهرات.

 فضلاً عن توافق السلطة واليمين المتطرف على تحميل حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي، وزعيمه جان لوك ميلانشون المرشح للرئاسة، مسؤولية ما يرون فيه "تحريضاً" على التظاهر،

 في وقت تستثمر مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف والمرشحة للرئاسة، ذلك لترويج نفسها رئيسةً مقبلةً قادرةً على "فرض النظام" 

 وهي فعلاً دشنت حملتها الانتخابية في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، من أورليان، متعهدة بـ"استعادة النظام". في المقابل، تبدو الهوة واسعة بين السلطة والجيل الشاب المتظاهر، لا سيما من الضواحي، وهو جيل يميل للتصويت يساراً.

ورغم تراجع أعداد المشاركين، أول من أمس السبت، إلى 320 ألف شخص بحسب وزارة الداخلية، ونحو نصف مليون بحسب نقابات الشباب، مقابل 410 آلاف و800 ألف في الأسبوع السابق، فإن الحراك احتفظ بقدرته على حشد مئات الآلاف بعد أسابيع من الاحتجاج المتواصل والتوقيفات والقيود الأمنية.

 وباتت قوة الحراك تكمن في استمراريته هذه، بينما تراهن النقابات على إضراب الخميس لتشديد الضغط على السلطة وأرباب العمل، ما قد يُدخل الأزمة التي تواجهها الحكومة مرحلة جديدة، في حال شمل التوقف عن العمل قطاعات واسعة من الاقتصاد والخدمات العامة.
 
محدودية الإجراءات الحكومية

ولا تزال الهوة واسعة بين ما قدّمته السلطات من استجابة وما يطالب به المحتجّون، لا سيما في الشق التعليمي من الحراك. فهي اقترحت فتح 15 ألف مقعد إضافي في التعليم العالي، 

في حين تطالب منظمات الثانويات والجامعات بـ250 ألف مقعد. كما وعدت باستحداث 500 وظيفة إضافية لمعلّمي الثانويات، والتراجع عن إلغاء 836 وظيفة،

 لكن مجموع هذين الإجراءين لا يعوّض النقص القائم، الذي قدّرته وزارة التعليم بنحو 4 آلاف معلّم لتغطية ساعات التدريس الضائعة في الثانويات، بحسب ما نقلته صحيفة "لوموند" منتصف أكتوبر الماضي.

أما القروض الميسرة التي كشفت عنها السلطات بقيمة 4 مليارات يورو، وأتاحتها لمجالس الأقاليم لترميم الثانويات، فلا تعني تخصيص إنفاق حكومي مباشر على هذه الأشغال. 

إذ يتوقف استخدام هذه المبالغ على استعداد المجالس الإقليمية، المسؤولة عن مباني الثانويات، للاقتراض وقدرتها على السداد أو حتى إنجاز التصليحات المطلوبة في المواعيد المنتظرة. 

وكانت المجالس قد اعترضت على اكتفاء الحكومة بتسهيل القروض دون تحمّل قسم أكبر من كلفة الترميم، 

فيما رأت هيئة "جامعات فرنسا"، التي تمثل رؤساء الجامعات، أن نقص التمويل المزمن في التعليم العالي "لم يلقَ استجابة بعد"، رغم تخصيص مليار يورو للاستثمار في المباني الجامعية 

مؤكدةً أن الأماكن المتاحة حالياً تحتاج أساساً إلى تمويل أكبر، وليس فقط الأماكن التي ستُستحدث.

وإلى جانب محدودية هذه الإجراءات التي وصفتها نقابات التلاميذ والطلاب بـ"الفُتات"، أجّلت الحكومة تطبيق عدد من أبرز قراراتها إلى خريف 2027 و2028، أي إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها فرنسا بين إبريل/نيسان ومايو/أيار المقبلين.

 ويشمل هذا التأجيل، على سبيل المثال، خفض عدد الطلاب المسموح به في بعض الصفوف، واستبدال منصة "باركورسوب" التي يمرّ من خلالها تلاميذ الثانويات للحصول على قبول في التعليم العالي، والتي يُعدّ إلغاؤها من أبرز مطالب الحراك. 

وكان المتحدث باسم "الحركة الوطنية لتلاميذ الثانويات" أوسكار تراي قد قال، إن الحكومة تأخذ قرارات وتترك تنفيذها لحكومة أخرى "لا نعرف هويتها، ولا إن كانت ستنفذ هذه الالتزامات" 

مشدداً على أن المطلوب من السلطات هو "القيام بالتغيير الآن".

ورغم وصول هذه الاعتراضات إلى السلطات، وإعلان المنظمات عن نيّتها الاستمرار في الاحتجاجات، دعا ماكرون، الأربعاء الماضي، إلى استئناف الدروس بعد العطلة والتوقف عن إغلاق الثانويات 

معتبراً أن مطالب الشباب قد "سُمعت". لكن حتى المنظمات التي رحبت بجزء من القرارات، لم ترَ فيها ما يكفي لوقف تحرّكها، إذ اعتبر ممثلو منظمة "التلاميذ!" أن الضغط على الحكومة أتاح انتزاع مكاسب جزئية يمكن توسيعها بمواصلة الاحتجاج، 

فيما فضّل آخرون انتظار نتائج "ملموسة" من قبل السلطات قبل مراجعة موقفهم.
 
تعاضد بوجه السلطة

وتواجه الحكومة، من جهتها، صعوبة في توفير الأموال اللازمة للاستجابة إلى المطالب، لا سيما مع عودة الاقتصاد الفرنسي إلى الانكماش خلال الصيف، وتراكم ديون على الدولة تفوق ما تنتجه البلاد في عام كامل. 

ففي حين تطالب المنظمات الشبابية بتخصيص 10 مليارات يورو لإجراءات عاجلة لقطاع التعليم، تعمل السلطة على خفض الإنفاق لتقليص العجز، وتجد صعوبة في تأمين تأييد برلماني للموازنة.

 كما أن التوظيف وفتح مقاعد جامعية إضافية يحتاجان إلى تمويل يستمر خلال السنوات المقبلة، ما يزيد من تردّد الحكومة في تقديم التزامات تتجاوز ما أعلنته حتى الآن.

وتدعو النقابات إلى توفير موارد إضافية عبر زيادة الضرائب على الثروات، معترضةً على تحميل الموظفين ومستخدمي الخدمات العامة كلفة تقليص العجز من خلال الحدّ من الأجور أو تقليل الإنفاق على المرافق التي يحتاجون إليها.

 وتتزامن هذه الاعتراضات مع ارتفاع جديد في كلفة المعيشة، لا سيما أسعار الطاقة التي زادت بنحو الربع خلال عام. وهي مشاكل لا تتناولها القرارات الموجّهة إلى التلاميذ والطلاب، رغم حضورها في مطالب شرائح واسعة التحقت بتظاهراتهم منذ أسابيع.

وأظهر ماكرون، في احتجاجات سابقة، تمسّكاً بقراراته رغم استمرار الاعتراض عليها، كما حدث مع إصلاح قانون التقاعد عام 2023، بينما لم يعلن عن تدابير لتحسين القدرة الشرائية استجابة لحراك "السترات الصفراء" عام 2018 إلا بعد أسابيع من التظاهرات وأعمال العنف.

 ويواصل الرئيس اليوم الجمع بين اللقاءات والوعود من جهة، والتشدد الأمني واتهام "أقصى اليسار" بالمسؤولية عن العنف من جهة أخرى، فيما يتعرّض لانتقادات اليمين واليمين المتطرف اللذين يتهمانه بالضعف والتراخي مع "اليسار المتطرف". 

وربما يخشى الرئيس، الذي بقي في ولايته نحو 6 أشهر، أن يفقد بتنازلات واسعة ما يحتاج إليه من تأييد اليمين، أو حتى اليمين المتطرف، في برلمان لا يملك فيه الأغلبية. 

وقد يكون حريصاً أيضاً على ألّا ينتهي حكمه البلاد باحتجاجات متواصلة وسلطة عاجزة عن العمل، وهو ما قد يفسر إصراره على الدعوة إلى "الهدوء" واستئناف الدراسة، رغم إعلان المنظمات أن ما حصلت عليه لا يكفيها للخروج من الشارع.

وكانت السلطات قد بررت القيود على التظاهر والتوقيفات الواسعة بضرورة منع التخريب والنهب، لكن التعامل الأمني مع الحراك ساهم أيضاً في تعاضد المشاركين فيما بينهم، وانضمام متضامنين جدد من شرائح اجتماعية أخرى، لا سيما بعد وقوع إصابات خطيرة خلّفت عاهات دائمة لدى عدد من الشباب.

 وقد دفع هذا عائلات تلاميذ ومدرسيهم إلى مرافقتهم في المسيرات وأمام الثانويات لحمايتهم من تدخلات الشرطة، وشارك بعضهم في تكوين سلاسل بشرية خلال التظاهرات للفصل بين اليافعين وقوات الأمن. 

وإلى جانب أحزاب اليسار والنقابات، انضمت جمعيات حقوقية إلى الاعتراض على النهج الأمني الذي تتبعه الحكومة، وبات الدفاع عن حق التظاهر ورفع القيود المفروضة عليه من أسباب التعبئة أيضاً. 

كما وصلت الانتقادات، الأسبوع الماضي، إلى أربعة مقرّرين خاصين للأمم المتحدة، أعربوا عن قلقهم من أعداد الموقوفين الكبيرة، التي قالوا إنها "لا تبدو متناسبة" مع حجم المخالفات التي تُرتكَب، محذّرين من أثر الخوف من الاعتقال على حرية التظاهر.

 محمود الحاج
صحافي سوري