مطار عدن الدولي في مرمى الهجمات المتكررة… ما الأهداف والتداعيات؟
وضعت الهجمات المتكررة التي تعرض لها مطار عدن الدولي، جنوبي البلاد، خلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي هذا المرفق الحيوي في دائرة التصعيد العسكري، وسط مخاوف من اتساع تداعيات المواجهة لتشمل حركة الطيران المدني وسلامة المسافرين.
يمثل مطار عدن أحد المنافذ الجوية الرئيسية في البلاد، إذ يربط ملايين اليمنيين بالعالم، في ظل أزمة إنسانية واقتصادية خانقة ومحدودية خيارات السفر الجوي.
ولا تقتصر أهميته على سكان المدينة، إذ يعتمد عليه مسافرون ومرضى من محافظات مختلفة للوصول إلى وجهات إقليمية ودولية، ما يجعل تعطيل حركة الطيران فيه ذا انعكاسات تتجاوز حدود عدن، وتمس احتياجات يومية وإنسانية للمواطنين.
أحدث الهجمات تعود إلى مساء الأربعاء، حين تعرض المطار لقصف بصاروخين باليستيين، ما أدى إلى تعليق نشاطه مؤقتاً وتحويل مسار رحلات للخطوط الجوية اليمنية إلى مطار جيبوتي. وأعلنت السلطات اليمنية سقوط مصابين مدنيين وأضرار مادية في المطار، فيما تبنت جماعة الحوثي الهجوم.
وزارة النقل اليمنية ، قالت إن المطار تعرض للاستهداف ست مرات خلال أيام معدودة، محذرة من أن تكرار الهجمات يهدد سلامة المسافرين والملاحة الجوية، ويتسبب في اضطراب حركة الرحلات، وحمّلت الجماعة المسؤولية عنها.
دلالة التحذير المسبق
جاء الهجوم في وقت تتواصل فيه المعارك على عدد من الجبهات، فيما سبقته رسالة تحذيرية من المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، دعا فيها الموجودين داخل المطار إلى «الإخلاء الفوري»، تمهيداً لاستهدافه، مدعياً وجود طائرة شحن عسكرية سعودية فيه.
ويُعد هذا أول تحذير مسبق تعلنه الجماعة قبل استهداف المطار.
في قراءته لهذه الخطوة، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الدكتور علي الذهب أنها تندرج ضمن محاولة الحوثيين إظهار التزامهم بالقانون الدولي الإنساني،
ولا سيما أحكام البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني لاتفاقيات جنيف لعام 1977، المتعلقة بحماية الأعيان المدنية، والتي تنص على توجيه تحذير مسبق قبل استهدافها، متى استدعت الضرورة العسكرية ذلك، وفي أضيق الحدود.
وأضاف أن هذا التنبيه يحمل دلالة أخرى، تتمثل في محاولة الجماعة إظهار امتلاكها معلومات استخبارية مسبقة عن وجود نشاط عسكري داخل المطار، فضلاً عن سعيها إلى إسقاط أي حجج قد تُثار في حال تعرض المدنيين لأضرار جراء الهجوم.
وتتضاعف مخاطر استهداف المطار بالنظر إلى موقعه داخل مديرية خور مكسر، حيث يتداخل محيطه مع النطاق العمراني للمدينة.
وتجاوره أحياء سكنية ومنازل ومحال تجارية ووكالات سفر وفنادق ومدارس ومرافق صحية ما يجعل هذا التداخل أي هجوم يستهدف المطار أو محيطه تهديداً لا يقتصر على حركة الطيران، بل يمتد إلى المدنيين والمنشآت المحيطة به.
هجمات متكررة خلال أكتوبر
بدأت سلسلة الهجمات التي استهدفت مطار عدن خلال تشرين الأول/أكتوبر في السابع من الشهر، حين تعرض المطار لهجوم بصاروخين باليستيين وطائرات مسيّرة مفخخة.
وسقط أحد الصاروخين قرب المدرج، قبل دقائق من هبوط طائرة قادمة من القاهرة، ما اضطرها إلى تحويل مسارها نحو جدة، وفق وزارة النقل اليمنية.
بعد تسعة أيام، تجدد الهجوم في 16 تشرين الأول/أكتوبر، بسقوط صاروخين داخل حرم المطار، أحدهما قرب البوابة الغربية باتجاه المدرج، والآخر شمال غربي المطار
بالتزامن مع استعداد طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية للإقلاع إلى القاهرة، ووجود طائرة أخرى قادمة منها في الأجواء.
وأدى ذلك إلى إخلاء مبنى المطار وتحويل مسار الرحلة القادمة إلى جدة، وإبعاد طائرات مدنية عن منطقة الخطر، دون تسجيل خسائر بشرية، بحسب السلطات الرسمية.
وفي 21 تشرين الأول/أكتوبر، تعرض محيط المطار لهجوم جديد بصاروخ باليستي سقط بالقرب من المدرج، بعد إقلاع رحلتين مدنيتين، إحداهما تابعة للخطوط الجوية اليمنية ومتجهة إلى عمّان، والأخرى لشركة طيران عدن ومتجهة إلى القاهرة
وبعد هبوط طائرة تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر وأطباء بلا حدود. كما تزامن الهجوم مع استعداد رحلتين أخريين للإقلاع إلى أديس أبابا والقاهرة، ما دفع السلطات إلى إيقافهما وتأجيلهما وإخلاء المطار من المسافرين والعاملين.
في المقابل، قدّم الحوثيون الهجمات بوصفها عمليات تستهدف مواقع عسكرية تابعة للسعودية في مدينة عدن، من بينها ما وصفه المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، بـ«غرفة عمليات» تابعة لسعوديين في معسكر بدر
مدعياً إصابتها بدقة ومباشرة. كما قالت الجماعة في بيانات لاحقة أن أهداف الهجمات تقتصر على مقار عسكرية ومخازن أسلحة، ولا تشمل المطار أو حركة الطيران المدني.
«المطار بالمطار»
لا تنفصل الهجمات على مطار عدن عن سياق أوسع من التصعيد المرتبط بالمطارات خلال سنوات الحرب.
ففي مراحل سابقة، طرحت جماعة الحوثي ما أسمتها معادلة «المطار بالمطار»، رداً على ما تصفه بالحصار المفروض على مطار صنعاء، والتهديد باستهداف مطارات في السعودية.
وتجدد هذا التهديد على خلفية الخلاف بشأن تشغيل مطار صنعاء.
ففي أواخر حزيران/يونيو الماضي، أعلنت الجماعة رفع الجاهزية والتحشيد العسكري، مطالبة باستئناف الرحلات الجوية من المطار تحت إدارة حكومتها، وهو ما رفضته الحكومة اليمنية، مؤكدة ضرورة تشغيله تحت إشرافها.
وكان مطار صنعاء قد شهد استئناف الرحلات التجارية إلى العاصمة الأردنية عمّان في أيار/مايو 2022، بموجب الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة، واستمرت هذه الرحلات بعد انتهاء الهدنة.
غير أن حركة الطيران التجاري توقفت في أواخر أيار/مايو 2025، عقب تدمير آخر طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية في المطار، لتقتصر الرحلات المعلنة لاحقاً على الرحلات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة.
وتصاعد التوتر في تموز/يوليو، عقب وصول رحلة تابعة لشركة «ماهان» الإيرانية إلى مطار صنعاء، واتهم مجلس القيادة الرئاسي الطائرة بنقل عناصر عسكرية وخبراء إيرانيين
بينما قال الحوثيون إنها تقل مرضى وجرحى وعالقين، واتهموا السعودية بمحاولة اعتراضها، مهددين باستهداف مطاراتها ومنشآتها الحيوية.
وبعد إعلان وزارة الدفاع اليمنية قصف مدرج المطار في 13 تموز/يوليو لمنع الطائرة من الهبوط، أعلن الحوثيون انتهاء خفض التصعيد، وشنوا هجوماً على مطار أبها، قبل أن تعلن الحكومة في 18 تموز/يوليو منع رحلة أخرى لشركة «ماهان» من الوصول إلى صنعاء.
وتواصل التصعيد خلال تشرين الأول/أكتوبر، مع استهداف الحوثيين مطاري عدن والريان في المكلا، إلى جانب تكثيف هجماتهم على مطارات سعودية، بينها مطارات الملك خالد وأبها والملك فهد والملك عبدالله ونجران، وفق هيئة الطيران المدني السعودي.
وبذلك تجاوزت تهديدات استهداف المطارات حدود التصريحات، لتتحول إلى أحد مسارات التصعيد العسكري، مع ما يترتب عليها من مخاطر على حركة الطيران المدني وسلامة المسافرين.
ضغط سياسي
يعود استهداف مطار عدن إلى سياق أقدم من التصعيد الحالي؛ ففي عام 2015، توقفت حركة الطيران فيه لأكثر من أربعة أشهر، بعدما امتدت المواجهات العسكرية إلى محيطه، قبل أن يستأنف نشاطه في آب/أغسطس من العام نفسه.
وفي 30 كانون الأول/ديسمبر 2020، استهدف الحوثيون المطار بهجوم صاروخي تزامن مع وصول الحكومة اليمنية الجديدة من الرياض، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى وأضرار في منشآته.
في قراءة لأبعاد الهجمات الأخيرة، يرى الذهب أن تكرار استهداف مطار عدن يهدف إلى الضغط على الحكومة اليمنية سياسياً واقتصادياً، من خلال تقويض استقرارها وتعطيل أنشطتها في العاصمة المؤقتة، التي تمثل رمزية سياسية للدولة.
ويشير إلى أن دفع الحكومة للبقاء خارج عدن، أو خارج البلاد، يخلق مقارنة بين وجود الحوثيين داخل البلاد ووجود الحكومة خارجها، وهي بالتأكيد نقطة ستكون مأخذ على الحكومة.
ويضيف أن هذه الهجمات تعكس محاولة لنقل المواجهة من الميدان العسكري إلى الضغط السياسي، لدفع الحكومة والتحالف إلى العودة للمفاوضات ومسار السلام أو القبول بهدنة
بما يتيح للحوثيين الحفاظ على المكاسب التي حققوها ميدانياً، وتعزيز مواقعهم في مناطق مثل الساحل الغربي وتعز، وإعادة ترتيب أوضاعهم قبل أي جولة تصعيد جديدة.
مازن ناصر