وريثيات .. تهنئة بلا رصيد
في اليوم العالمي للمعلم أطلّ علينا ذلك الكرتون المسمّى رسمياً وزير التربية والتعليم والبحث العلمي ببيان تهنئة برّاق يُبارك فيه للمعلمين عيدهم وهي تهنئة تعكس انفصاماً تاماً عن الواقع وكأن من صاغها يعيش في كوكب آخر لا يمت لواقعنا بصلة ..
يهنئون المعلم وهم يجهلون أو يتجاهلون أن المعلم في بلادنا يخوض معركة بقاء يومية ضد الفقر والفاقة محروماً من أدنى حقوقه المشروعة وعلى رأسها راتبه المقطوع منذ سنوات
والمأساة الحقيقية لا تكمن فقط في ظروف الحرب والانهيار التي تطحن الجميع لكن في الصمت المريب والخذلان الذي يمارسه الجدار الرسمي وعلى رأسه الوزارة المعنية التي يفترض بها أن تكون الدرع الأول والمدافع الصلب عن حقوق أرباب العلم ..
لقد تخلى الجميع عن المعلم وتم تركه وحيداً في مواجهة متطلبات الحياة والعيش ويطالب بتقديم رسالته السامية ومواصلة بناء الأجيال وهو بهذه الحالة من البؤس
والأنكى من ذلك أن الميدان التربوي والمجتمع بأسره يتساءلان بحسرة .. أين تذهب الموارد المليونية لما يسمّى صندوق دعم المعلم والتعليم؟
وأين تبخرت تلك الأموال الضخمة التي يتم تحصيلها باسم المعلم بينما المعلم نفسه لا يرى منها فلساً واحداً؟ ..
لقد كان منتظراً من هذه المؤسسة الهشة وهذا الكرتون الاعلان في يوم المعلم عن صرف المرتبات والمستحقات الموقوفة للمعلمين والمعلمات والإداريين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وضمان استمرار العملية التعليمية بالشكل الصحيح
لكن حكومتنا عبر هذا الكرتون كرّست القاعدة الشهيرة تمخض الجبل فولد فأراً هزيلا بتهنئة لاتقدم ولاتؤخر ولا تسمن من جوع ..
إن نهوض الأمم وتأخرها ليس صدفة فالشعوب الحية هي التي وضعت المعلم في قمة الهرم الاجتماعي والمعيشي فصنعت النهضة والتقدم وامتلكت القوة
أما نحن فما نزال نرزح في قاع التخلف والجهل لأن المعلم عندنا لا يساوي شيئاً
وبالطبع فإن استمرار التعامل مع قطاع التعليم بهذه الخفة والسطحية هو جريمة بحق المستقبل والمعلم اليوم لا يحتاج إلى بطاقات تهنئة تطبع على الورق أو تنشر في وسائل الإعلام لكنه يحتاج إلى حقوقه الكاملة وعلى رأسها الراتب والكرامة
فبدون معلم كريم ومكفول الحقوق لن يكون لدينا تعليم وبدون التعليم لن تبنى أمة ولن تقوم دولة..