الحب في هذا الزمان
حدسي الفطري هو الذي قادني إلى هذا المقهى، وكان الوقت ضحى والمكان يسبح في عتمة رمادية. الطاولات المشغولة قليلة. اخترتُ واحدة قريبة من النافذة، وتركتُ عليها حقيبة اللابتوب والكتاب.
حضر العامل وابتسم لي كأنه يعرفني. وهو يمسح الطاولة، اختفت اللوحة المرسومة على السطح؛ تجريد أو انخطاف بصري من خطوط وانحناءات بألوان ساكنة وبنّيّة، مصدرها الغبار والرطوبة والبلل من أثر كأس الماء والصحن، مع فتات الكعك أو الخبز… ما ينضح من أفعال الإنسان على سطح منضدة يجلس عندها بعض الوقت.
ومنها أيضا آثار أرجل الذباب على بقايا الدبق، وقبلاته الطويلة لها. شيئا فشيئا، راحت تتشكل لوحة جديدة خاصة بي، مثلما كانت اللوحة الممحوّة تعود إلى الزبون الذي شغل الطاولة قبلي.
أغلب الجالسين في المقهى يبدو عليهم الحزن لأنهم لم ينجزوا العمل الذي يحبّون، أو لأنهم يعيشون ضدّ تيّار الحياة الجارف، الذي يصير معه تحقيق المراد أمرا مستحيلا.
في وقت متأخر، أو متقدم، من حياة المرء، يكتشف أن السعادة التامة غير قابلة للتحقيق، والتعاسة التامة أيضا. أغلب الذين يقصدون المقاهي يدركون هذه الحقيقة؛ الانحناء واجب لتجنب التحطم، وقد يجتمع الاثنان: الانحناء والتحطم، فيبدو تأثير ذلك على سحنة المرء.
رغم أن النهار في أوّله، كان البعض ينام في كرسيّه، خصوصا المسنّين منهم، بسبب الملل، ولأن الحديث يتكرر ويعود نفسه في كل وقت.
يأخذ أحدهم غفوة من بضع دقائق، يعود بعدها ويكتشف، هكذا يبين في نظراته أنه في مكان جديد وغريب، ويحتاج إلى بضع ثوان لتذكره، ومن ثَمّ إدراكه.
الرجل الذي يجلس إلى الطاولة القريبة يرتدي سروالا أبيض وقميصا أسود، صورة وجهه المضطرب، مع طباعه ومزاجه ونوع أفكاره،
سوف تحمل كلّ ذلك في الأخير، أي عند مغادرته المقهى، لوحة يرسمها (لا أحدٌ) على سطح طاولته، تظهر فيها التّعابير الشّاردة على محيّاه مثل بقع باهتة وغامقة.
وكي أشعر بالسعادة لا بد أن أتناول جرعتي اليومية من الأدب. القصة هي «أمسية حب» للأرجنتيني ريكاردو بيجليا: كهلان أعزبان يجمعهما النفور من النساء «لأنهن المصدر الرئيس للهلاك»، كما تقرر القصة.
أحدهما، يُدعى فاغنر؛ صحافي تقدّمت به السن سريعا دون أن يتأثر إعجابه ببطولات الرايخ الثالث، وكان «قلبه يحترق من الوفاء الأبدي للفوهرر».
صديقه يُدعى باردو، يشبهه كثيرا في الطّباع، غير أنه أصغر منه في العمر. امرأة تشغل الغرفة الملاصقة،
وعندما يحلّ المساء تأتي ومعها رجل يُطارحها الغرام. إمعانا في إذلال وتعذيب الكهلين، يترك القاصّ المرأة تُحدِث ثقبا في الجدار بين الغرفتين، بإمكانها النظر في عيون الكهلين وهما يتلصّصان عليها، عندما تمارس الحب مع الرجل.
ـ هل رأيت؟ قال فاغنر، وقد شوّه الدخان صوته وشراب الجن الرخيص ـ كانت تنظر إلينا.
ـ هي تأتي دائما مع شخص آخر مختلف. قال باردو.
ـ لكنها ليست عاهرة.
ـ لا. إنها متزوجة، رأيت خاتم الزواج في يدها. إنها تستمتع.
ـ على حسابنا. تعرف أننا هنا…
ـ هل تعتقد ذلك؟
ـ أنا متأكد. أعرف هذه الطّينة من النساء.
ـ ستظن أننا شيخان شاذّان.
كان فاغنر «حافي القدمين ويرتدي بيجامة زرقاء سماوية».
في اللون هنا إشارة إلى الخنوثة أو إلى العجز في التعامل مع المرأة. لكن غرفة المرأة تشبه المقهى كثيرا،
حيث أجلس الآن، وأشرب على مهل قدحي الثاني من الشاي، والوقت ما زال ضحى. «النور المصفرّ ينزل من المصباح الصغير والوحيد ويضيء الجدران الملطّخة بالرّطوبة، والطّاولة المقابلة مع النافذة ذات الستائر الشّبيهة بنسيج العنكبوت».
المصباح موجود في المقهى، ونوره نزير أيضا، كما أن الجدار والطاولة والنافذة والستارة… كل شيء في القصة مطابق للواقع الذي أعيشه. «اقترب فاغنر من الباب، ثم جثا على ركبتيه أمام ثقب الجدار.
رأى المرأة تتكئ بيديها على الأرض وتستلقي إلى الوراء عارية». ثم يحضر باردو ويُشارك صديقه طقسه الغريب: «رأى النافذة والكرسي، وظهرت له فتنة الأجساد العارية وسط الضوء، كأنه وضع رأسه في الكيس الأسود لمصور فوتوغرافي».
رفعتُ عينيّ عن الكتاب، وشعرتُ بأن أحداث القصة تمرّ من خلالي. صرتُ أتجسّس على الجالسين معي بالطريقة نفسها، وترتسم ملامحهم في خاطري بآلية قريبة من رسم لوحة تجريدية على سطح الطاولة، وكلّ هذا يتمّ بواسطة الفن.
في هذه اللحظة أشاح الشاب الجالس قرب الباب بوجهه عنّي، بدافع غريزيّ فوريّ، معبّراً عن حرجه لأني قرأتُ في أعماقه تفاصيل حياة أشدّ فساداً ونتانة مما قامت به المرأة في القصة.
أخرجتُ رأسي من الكيس الأسود ورحتُ أفكّر، وأنا أتملّى أريكة فارغة في الجانب المقابل: النفس الإنسانية قيثارة صامتة، يعزف عليها «لا أحد» بطريقة غامضة، كي تتحرّر من آلامها وهمومها.
وكما يحدث في حلم، ثمة خيط رقيق يربط بين زبائن المقهى، ينحلّ حالما تلتقي الوجوه، فيغدون عُراة، ويشتركون في سرّ دفين تبوح به لغة النفس الصامتة، أو أغنيتها، ويستطيع الآخرون سماعها، وهو سرّ السعادة والنشوة، يغرق فيه الجميع داخل المقهى.
الجميع هنا يفكّرون بي، أو إنني أفكّر عبرهم. كما أن التعري نوع من الإخفاء، والعكس صحيح أيضاً. و»الكلّ يلتذّ بالكل»؛ بتعبير بودلير. إنني أجد نفسي وأفقدها في الوقت نفسه وسط الصخب، والآخرون يفعلون الشيء ذاته.
هل كان السبب وراء إغلاق المقاهي في فترة الصيام في رمضان، أن الماشين في الشارع ربما تزعزعَ صيامهم، وهم يُطيلون النظر في اللوحات التي أقلّ ما يُقال عنها إنها لا تدلّ على الخير والفضيلة، بائنةً على وجوه جلّاس المقهى؟
إنه استنتاج تتعادل فيه نسبة الصواب مع اللّبس، وهذا أفضل من أن يكون صائبا تماما.
«كان كل شيء صامتا، وسُمعتْ صفارة القطار من بعيد. عاد فاغنر وجلس على
ركبتيه ينظر من فتحة الجدار:
ــ والآن؟
ــ إنها نائمة.
ــ هكذا تفعل دائما.
إنني ملتبس بما يجري في القصة، وقد فات أوان الرجوع. جاءت امرأة تناهز الثلاثين وجلست عند الزاوية البعيدة من المقهى. طلبت نارجيلة، وشرعت في الحديث بصوت عال، مقحمة هاتفها النّقّال بين رأسها وكتفها.
هل أستطيع تكوين صورة واضحة عن أسرارها وأحلامها وأفكارها من خلال هذا المشهد؟
تنتهي القصة بفصل غريب لا يمكن اختزاله أو التعبير عنه، لأنه أقرب إلى لوحة سريالية. ولكن ماذا أضاف ريكاردو بيجليا إلى الحياة، لتبدو لنا في قصته بهذه الغرابة، بهذا العمق؟
كما أن ثمة سخرية وتهكما بالغَين في العنوان: «أمسية حب»، كأن المؤلف أراد، عن طريق التّورية والترميز، استكشاف تعقيدات لعبة الحبّ في هذا الزّمان.
كان عنوان المقال في البدء «في الكيس الأسود»، ثم غيّرتُهُ إلى المثبّت الآن؛ نوعا من تحيّة أبعثها من زمان ومكان بعيدين، إلى ميخائيل ليرمنتوف صاحب رواية «بطل من هذا الزمان».
أخرجت رأسي من الكيس. لا بدّ أن سحابة تمرّ الآن على الشمس، لأن المقهى
أظلم فجأة وقام (لا أحدٌ) برفع صوت المذياع. نظرتُ إلى ساعتي؛ في الحادية
عشرة أغادر المقهى، لأنه الوقت الذي تستحقّ فيه بطارية الروح أن تُشحن عن
طريق السير على القدمين نصفَ ساعةٍ على الأقل. يبدو لي عبثا القول إن زبائن
المقهى تجسّسوا عليّ أيضا، وبحرص عذب نقشوا في سرائرهم صورتي التي
تشبهني أكثر مما أظهر في المرآة.
حيدر المحسن