ثورة مالية صامتة... العملات المستقرة تهدد ودائع البنوك
يشهد النظام المالي في عدد من الاقتصادات الناشئة تحوّلاً متسارعاً مع اتساع استخدام العملات الرقمية المستقرة المرتبطة بالدولار كقناة ادخارية موازية للعملات التقليدية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على العملات المحلية وتتقلب تدفقات رؤوس الأموال.
ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع تصاعد حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، مدفوعة بالتوترات التجارية التي تثيرها سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتهديداته المتكررة بفرض رسوم جمركية إضافية على شركاء واشنطن التجاريين.
وتوقع تقرير صادر عن وكالة إس آند بي غلوبال للتصنيفات الائتمانية، الأسبوع الماضي، أن ترتفع حيازات العملات المستقرة المقومة بالدولار عبر 45 دولة ناشئة من نحو 70 مليار دولار حالياً إلى ما يقارب 730 مليار دولار،
وهو ما يعكس النمو الكبير في توسع استخدام هذه الأصول الرقمية خارج نطاق تداول العملات المشفرة، ليشمل الادخار والتحويلات والتجارة الدولية.
وأشار التقرير إلى أن دور العملات المستقرة في النظام المالي ينمو بالتوازي مع التوسع السريع في إصدارها.
وتستند الوكالة في توقعاتها إلى ثلاثة عوامل رئيسية تشمل الضغوط على العملات المحلية، والطلب المتزايد على التحويلات عبر الحدود، واتساع استخدام الأصول الرقمية.
وبلغت قيمة سوق العملات المستقرة بالفعل 300 مليار دولار، وتمتلك شركة "تيثر" (التي تُصدر العملات المستقرة USDT المرتبطة بالدولار، وEURT المقومة باليورو، وCNHT المرتبطة باليوان، وMXNT المقومة بالبيزو المكسيكي،
إضافة إلى XAUT المدعومة بالذهب) سندات خزانة أميركية أكثر من العديد من الدول. لكن هذه الثورة الرقمية تهدد الودائع المصرفية وقد تخنق الإقراض للاقتصاد الحقيقي.
وتَعِد هذه العملات بسرعة المعاملات وقابليتها للبرمجة مثل العملات المشفرة، لكن مع استقرارٍ سعريٍّ يشبه العملات الرسمية. وبدأت كأداة متخصصة لتسهيل التسويات في أسواق الكريبتو، لكن البعض بدأ يستخدمها اليوم كنظام نقدي موازٍ.
تقديرات صادمة
أظهرت محاكاة أعدّتها وكالة إس آند بي غلوبال أن العملات المستقرة قد تترسخ كأداة لحفظ القيمة في الدول ذات معدلات التضخم المرتفعة، بما قد يترتب عليه انتقال نسبة ملموسة من الودائع المصرفية إلى أصول رقمية مقومة بالدولار.
ففي الأرجنتين، التي سجّلت متوسط تضخم بلغ 132% خلال الفترة 2023 - 2025، تقدر الودائع المصرفية بنحو 130 مليار دولار.
وتشير المحاكاة إلى أن ما يصل إلى 26 مليار دولار، أي ما يعادل 20% من هذه الودائع، قد يتحوّل إلى العملات المستقرة في السيناريو المرتفع، ما يعكس توجه المدخرين نحو أدوات تحافظ على القوة الشرائية.
أما تركيا، التي بلغ متوسط التضخم فيها 49% خلال الفترة نفسها، فتعدّ الحالة الكبرى من حيث القيمة المطلقة المحتملة.
إذ تظهر البيانات أن ما يقارب 100 مليار دولار من ودائع مصرفية تبلغ 498 مليار دولار قد تتجه إلى العملات المستقرة في سيناريو التبني المرتفع، وفقاً لتقديرات الوكالة.
وفي مصر، حيث بلغ متوسط التضخم 26%، تشير المحاكاة إلى إمكانية انتقال نحو 50 مليار دولار من إجمالي ودائع مصرفية تقدر بنحو 250 مليار دولار إلى العملات المستقرة، في سياق استخدام هذه الأصول كأداة تحوط في بيئات تتآكل فيها قيمة العملة المحلية.
كما تظهر البيانات أن نيجيريا، ذات تضخم عند 27%، قد تشهد انتقال نحو 12 مليار دولار من ودائع تبلغ 62 مليار دولار، بينما قد تصل القيمة في غانا، التي سجلت تضخماً بنحو 25%، إلى 3.6 مليارات دولار، وفقاً للمحاكاة.
وتشير هذه التقديرات إلى أن الدافع الرئيس لاعتماد العملات المستقرة في هذه الأسواق يرتبط بحماية المدخرات من التضخم، ما يعكس توسع استخدامها كأداة ادخارية موازية تمتص جزءاً من السيولة التي كانت تقليدياً داخل الجهاز المصرفي.
وتوضح الوكالة أن هذه التقديرات تستند إلى بيانات الودائع المصرفية حتى أواخر عام 2024، مع الأخذ في الاعتبار متوسط معدلات التضخم خلال العامين الماضيين.
وتشير إلى أن الدول ذات التضخم المرتفع تُظهر نمطاً متكرراً، يتمثّل في انتقال جزء من المدخرات إلى أدوات مالية بديلة مقومة بعملات أكثر استقراراً.
ويصنف استخدام العملات المستقرة في هذه الحالات ضمن فئة "حفظ الثروة"، وهو ما يمثل المحرك الأكبر للتبني.
وفي سياق متصل، قدرت شركة "أرتميس" المتخصصة في تحليلات البلوك تشين أن الإنفاق عبر بطاقات فيزا المرتبطة بالعملات المستقرة بلغ معدّلاً سنوياً قدره 3.5 مليارات دولار في أواخر 2025، بنموٍّ يُقارب 460% على أساس سنوي، بحسب بيانات الشركة.
وأظهر التوزيع الجغرافي أن الهند والأرجنتين تمثلان حالتين بارزتين في استخدام عملة USDC، التي استحوذت على 47.4% و46.6% من الاستخدام على التوالي، فيما تهيمن عملة USDT على النشاط في معظم الأسواق الأخرى، بما في ذلك تركيا والصين واليابان.
ومن جانبه، قال النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد الدولي، دان كاتز، خلال جلسة نقاش في دافوس، الخميس الماضي، إن انتشار العملات المستقرة في بعض الدول قد يفرض ضغوطاً على هذه الدول لتحسين أطرها المالية والنقدية.
وأضاف: "عندما تخلق العملات المستقرة إمكانية لزيادة استخدامها في دول تعاني من أطر مالية ونقدية ضعيفة - سواء بالنسبة للدولار أو لعملات أخرى - فإن ذلك يخلق ضغطاً تنافسياً على تلك الدول نفسها من أجل تحسين أطرها المالية والنقدية"
وأثار بعض المحللين مخاوف من أن نمو العملات المستقرة المدعومة بالدولار قد يؤدي إلى سحب الودائع من البنوك في الاقتصادات الناشئة.