"ليلة الأرز" في الرياض وسؤال الأغنية اللبنانية
أعاد الإعلان عن حفل "ليلة الأرز" في الرياض فتح نقاش قديم متجدّد حول تمثيل الأغنية اللبنانية، وحدود الرمزية التي يختزنها اسم "الأرز" في الذاكرة الثقافية والجماعية.
فبينما راهن المنظمون على أسماء جماهيرية ووازنة مثل راغب علامة وعاصي الحلاني وكارول سماحة، انفجرت على المنصات موجة تساؤلات واعتراضات بشأن معايير الاختيار،
ومن يحق له أن يقف على مسرح يحمل عنواناً يُحيل، بالنسبة إلى كثيرين، إلى تراث موسيقي مؤسِّس صنعته أسماء من طراز فيروز ووديع الصافي وصباح ونصري شمس الدين.
وبين الحنين إلى "زمن الأغنية اللبنانية" والوقائع الإنتاجية الراهنة، تحوّلت "ليلة الأرز" من حدث فني إلى مرآة لانقسام أعمق حول هوية الأغنية اللبنانية اليوم، ومن يمثلها في المحافل العربية.
قبل أسبوعين، أعلن رئيس الهيئة العامة للترفيه السعودية، تركي آل الشيخ، إقامة حفل في الرياض يحمل عنوان "ليلة الأرز". يومها، تطوّع المتابعون في اقتراح أسماء الفنانين المفترضة مشاركتهم،
غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي آراء الجمهور، فاستقرّ الخيار على راغب علامة وزميله عاصي الحلاني، إلى جانب كارول سماحة.
وليس اسم "الأرز" جديداً على الفعاليات الغنائية العربية. فعام 2010، اختار مهرجان الدوحة الغنائي شعار "عَ هوا لبنان" لأمسيات جمعت نجوم الأغنية اللبنانية على مسرح وديكور وُصفا يومها بالأسطوريين،
وشارك فيها ملحم بركات ونجوى كرم ووائل كفوري وملحم زين وفضل شاكر وغيرهم.
من هنا، تباينت الآراء في من يحق له من المغنين المشاركة في ليلة تحمل اسم "الأرز" في المملكة العربية السعودية. وتبارى المتابعون في إدراج الأسماء،
فيما عبّر بعضهم عن امتعاضه من الثلاثي المقرّر إحياؤه الحفل، متسائلين عن غياب نجوى كرم، التي رأوا أنها تمثّل منذ أكثر من ثلاثين عاماً الأغنية اللبنانية، وكذلك عن غياب فارس كرم وملحم زين ووائل كفوري.
وتكاثرت التساؤلات عن هذه الاختيارات، خصوصاً أن علامة معروف بأسلوبه الغنائي المتنوّع، إذ لا يقتصر في إنتاجاته على اللون اللبناني الخالص.
وكذلك الحال مع كارول سماحة التي تميّزت بتقديم ألوان غنائية متعددة، غير أن اختيارها جاء، وفق مؤيديها، نتيجة إسهامها في نشر الأغنية اللبنانية عبر تعاونها مع منصور وأسامة الرحباني، إضافة إلى إصدارها عدداً من الأغاني الوطنية.
كارول سماحة استقلّت قبل نحو عقد عن "الرحبانية"، وكسرت قيد الاحتكار الذي أحاط بمجموعة أصوات لبنانية لم تستطع الخروج من عباءة الرحباني، مثل غسان صليبا وهبة طوجي وغيرهما.
واعتمدت في مسيرتها على الإنتاج الذاتي، ولا تزال حتى اليوم تبتعد عن شركات الإنتاج، وتمتلك أعمالها الخاصة، ما يضعها في موقع تنافسي مع زميلاتها في لبنان والعالم العربي. وربما من هنا تأتي مشاركتها في "ليلة الأرز" في الرياض.
في بداياته، سعى راغب علامة للتعاون مع شعراء وملحنين لبنانيين شكّلوا دعامة أساسية في مسيرته الفنية.
ويُعدّ الملحن الراحل إحسان المنذر من أبرز من أسّسوا لنجاحه في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. كذلك قدّم علامة أغنيات ذات طابع لبناني واضح، مثل "الهوارة" و"الدلعونا" و"حبيبتنا بيروت" من كلمات الشاعر عبد الغني طليس، وحقّقت انتشاراً واسعاً.
أما عاصي الحلاني، فتخرّج من برنامج "استديو الفن" عام 1988 عن فئة الأغنية الشعبية اللبنانية، وأسهم في إعادة "الهوارة" إلى الواجهة بعد فترة الحرب.
كذلك عرف كيف يقنع الفنان الراحل وديع الصافي بموهبته؛ فالصافي لم يبخل عليه، وأهداه قبل وفاته عباءته الفنية، وشاركه في ديو أغنية "الأمانة" التي لم تحقق النجاح المتوقع.
ومع ذلك، يرى البعض أن الحلاني يستحق المشاركة في ليلة تحمل اسم "الأرز"، بالنظر إلى الغلبة الواضحة للطابع اللبناني في أغنياته ومسيرته الفنية.
وقبل أيام، أعلنت شركة بنشمارك قرب نفاد بطاقات الحفل المنتظر، المدرج ضمن فعاليات موسم الرياض. غير أن الإقبال الجماهيري لم يواكبه إجماع معنوي، إذ لم تشفع أسماء المغنين الثلاثة في تهدئة اعتراضات المتابعين.