"أكتر واحد بيحبك"... مختبر موسيقي صنع جيلاً
بدأت حكاية "ولا على باله" بثيمة موسيقية سجلها الملحن محمد رحيم وكاتب الأغاني محمد رفاعي على كاسيت صغير خلال جلسة على النيل.
وعندما سمعها عمرو دياب، رأى فيها فرصة لتجربة إيقاع التكنو الذي كان بدأ يلفت الانتباه وقتها، لكن مع الاحتفاظ بصوت الموسيقى الشرقية.
انتقلت الثيمة بعدها إلى الاستوديو. هناك، عَمِل طارق مدكور على التوزيع، لكنه واجه مشكلة في ضبط العنصرين معاً، فالإيقاع الإلكتروني سريع ومكتظ،
والجملة الشرقية تحتاج إلى مساحة، والطبلة البلدي يجب أن تندمج مع الإيقاع من دون أن تبدو ملحقة به، ليُجري الموزع الشهير تجارب عدة على السرعة والطبقات الصوتية،
حتى استقرت الصيغة التي سمحت للتكنو والعناصر الشرقية بالانسجام داخل توزيع واحد، لتخرج "ولا على باله" لاحقاً ضمن واحد من أبرز ألبومات عمرو دياب "أكتر واحد بيحبك".
الألبوم الذي صدر عام 2001 عن شركة عالم الفن (مزيكا) ضمّ عشرة تراكات شارك في كتابتها وتلحينها عدد من الملحنين والشعراء الشباب وقتها، بينما تولى مدكور صياغة الصوت العام للألبوم
وكان أبرز ما قدمه فيه الجمع بين التكنو والإيقاع الشرقي أو الطبلة البلدي في "ولا على باله" ليُلحق بها مقطع راب للمغني ساندمان. لم تبتعد الأغنية بهذه الخلطة عن سياق البوب التجاري؛ فظلّ إيقاعها بسيطاً وسهل الالتقاط. وبعد صدور
الألبوم، تحولت "ولا على باله" إلى واحدة من أشهر أغاني المشروع الموسيقي، ليحملها عمرو دياب معه إلى موناكو في حفل تسلمه جائزة World Music Award ، بعدما تصدر ألبومه مبيعات الشرق الأوسط.
كان المغني المصري قد وصل إلى عتبة عام 2001 إثر سنوات من تطوير لغته الموسيقية، من "نور العين" و"قمرين" إلى "تملي معاك"
ثم جاء "أكتر واحد بيحبك" ليحافظ على العناصر التي رسخت حضوره الجماهيري، وفي مقدمتها الأغنية العاطفية واللحن السهل، وإن منح الألبوم الملحنين،
كذلك الموزع طارق مدكور، مساحة أرحب لتجريب الإيقاعات والألوان الموسيقية المختلفة، وهو ما ظهر بوضوح في تنوع أغاني الإصدار.
ففي "بعد الليالي" و"صدقني خلاص"، تظهر ألوان الغيتار الإسباني والنايلون غيتار، وهو اختيار منح الأغنيتَين ملمساً أدفأ، في مقابل "ولا على باله" التي جنحت إلى الصوت الإلكتروني،
أما "كان طيب"، فقدمت الوجه الدرامي للألبوم، مع مساحة أكبر للوتريات واللون الشرقي.
في "قلت إيه"، ظهر اسم الملحن الشاب (حينها) عمرو مصطفى، في حين كتب الكلمات خالد تاج الدين. وكانت الأغنية بداية لشراكة ستصبح لاحقاً واحدة من أبرز العلاقات الفنية في مسيرة دياب. لم يكن مصطفى وحده الاسم الشاب في هذا المشروع.
فقد شارك في الألحان أيضاً محمد رفاعي، وبدري كلارك، وشريف تاج ومحيي الدين أحمد، بينما كتب الكلمات بهاء الدين محمد، وأحمد علي موسى، وخالد تاج الدين، وأيمن بهجت قمر ومحمد رفاعي.
هذا كله جعل "أكتر واحد بيحبك" مختبراً شكل ملامح صناعة الموسيقى في العقدَين التاليَين.
وقد تميّزت الكلمات في المشروع الغنائي بانحيازها إلى ضمير المتكلم، مثل "صدقني خلاص" و"أديني رجعتلك"، ليبتعد هذا الأسلوب عن صيغة الغائب السائدة وقتها، فتبدو الأغنية وكأنها حديث ذاتي يخص تجربة كل مستمع شخصياً،
وطبع هذا الكلمات بمساحة تميز واضحة. وبمجرد انتهاء العمل عليه، دخل الألبوم في اختبار السوق، وكان مرتبطاً حينذاك بالقدرة على الوصول سريعاً إلى المستمع من خلال شبكة توزيع كاسيت واسعة.
ولهذا؛ استعانت "عالم الفن" بشركة EMI Arabia البريطانية في توزيع الألبوم خارج مصر، بما أتاح وصوله إلى الأسواق العربية والأجنبية، وفي الوقت نفسه، منحت الحملة الإعلانية لبيبسي الأغنية الرئيسية "أنا أكتر واحد بيحبك" مساحة أوسع للانتشار.
وأفسح كل هذا المجال لظهور الرقم الأكثر شهرة في قصة "أنا أكتر واحد بيحبك" 11 مليون نسخة في مصر والشرق الأوسط، وهو الرقم الذي ورد في تقارير صحافية ونُسب إلى مبيعات الألبوم، ووصفته بعض المصادر بأنه الأعلى في تاريخ الأغنية العربية.
ومع بلوغ الحكاية إلى منصة World Music Award، تغير نوع الكتابة عن الألبوم، ففي السنوات التالية انتشرت تصريحات من داخل الوسط الفني تشكك في الطريقة التي تُمنح بها الجائزة، وأنه يمكن ترتيبها عبر اتفاقات مالية أو تجارية.
ومن بين من أثاروا هذه القضية، المنتج ومنظم الحفلات عمرو عفيفي، الذي ادعى امتلاك مستندات تتعلق بترتيبات مالية وراء الجائزة،
وقابلت إدارة الجائزة هذه المزاعم بالنفي، مدافعة عن آلية احتساب المبيعات التي تستند إليها، ومؤكدة اعتمادها على بيانات من شركات توزيع دولية.
مع ذلك، لم تخصم هذه الزوبعة من حقيقة انتشار الألبوم على نطاق عالمي لا محلي أو عربي فحسب، فقُدمت بعض ألحانه، بينها "ولا على باله" و"أكتر واحد بيحبك"، بلغات متعدّدة وفي أسواق مختلفة، منها ما كان في تركيا واليونان والهند وإيران،
كما ظهرت ريمكسات إلكترونية لـ"ولا على باله"، أعادت تقديم الأغنية بصيغة أقرب إلى الموسيقى الراقصة، لتتداولها دوائر موسيقية غربية عديدة.
هذا النجاح العابر للقارات جاء نتيجة لجرأة في تفكيك القوالب الموسيقية التقليدية؛ وتحديداً في أغنية "ولا على باله" حين عمل مدكور على تقديم هجين إيقاعي غير مألوف على الأذن العربية حينها، بمزاوجته بين تقنيات التكنو والـEurodance، إلى جانب مقطع الراب، وذلك مع الإبقاء على اللون الشرقي عبر آلات حية كالأكورديون والطبلة.
ووضعت هذه التوليفة الرقمية المعقدة المعايير الهندسية والصوتية لجيل كامل، كما أثبتت أنّ المغامرة التقنية داخل الاستوديو هي المحرك الأساسي لصناعة نجاح تجاري عابر للحدود والثقافات.
وبعد 25 عاماً، يبدو "أكتر واحد بيحبك" شاهداً على حيوية فنية ونزوع إلى التجريب تبدو مساحته أضيق في البوب العربي اليوم، فحقق الإصدار نجاحاً جماهيرياً وتجارياً استثنائياً، ليبرهن أن البحث عن صوت جديد ليس نقيضاً للانتشار.
ويبدو الفرق أوضح عند مقارنة تلك المرحلة بالسوق اليوم. فنجاح الأغنية بات أسرع، ودورة استهلاكها أقصر، ما يترك في كثير من الأحيان مساحة أقل للتجريب داخل البوب التجاري.
من هذه الزاوية، تمثّل قراءة الألبوم استعادة للحظة كان التجريب فيها جزءاً من صناعة الـHit، لا عائقاً أمامه، فقد اختبر الألبوم بنجاح بالغ إلى أي حد يمكن تغيير صوت البوب من دون خسارة الجمهور.
محمد السيد الطناوي