الحوثي ورقة إيران الأخيرة
سؤال حاسم وجدي يطرح نفسه خلال الأيام الأخيرة، فحواه ليس فقط: هل سيدخل الحوثيون الحرب دفاعاً عن إيران؟
بل أيضاً: هل تستطيع إيران تحويل تعدد الجبهات إلى وسيلة لفرض رؤيتها أو تمرير تسويتها، أم أن تعدد هذه الجبهات سيؤدي إلى استنزافها مع حلفائها وفتح محاور يصعب ضبطها؟
قد يصبح اليمن، خصوصاً بعد التطورات الأخيرة، ساحة جانبية أساساً في مسار الحرب، تدفعه إليها سياسات الحوثي المرتبطة كلياً بطهران، لكن لا ينبغي افتراض أن حسم الجبهة اليمنية سيحسم الحرب مع إيران، أو أن التصعيد الحوثي يعني بالضرورة اقتراب المعركة من نهايتها.
لقد أدى استسهال الحوثيين توجيه ضربات ضد مطارات مدنية سعودية إلى كشف نيات إيران وقادتها وعزمهم على استخدام كل الوسائل في حربهم الميؤوسة.
فلا شيء يبرر ضرب مطار الملك خالد في الرياض وآبار النفط السعودية غير نية إلحاق الأذى بالسعودية وثرواتها اعتقاداً بإمكان جرِّها إلى موقف ضاغط لمصلحة تخفيف المواجهة الأميركية مع إيران.
وبلغ الاستخفاف الحوثي مداه مع استهداف الركاب والمسافرين في صالات المطار وإيقاع مئات الوفيات والجرحى في صفوفهم، في وقت تواصل فيه طهران تحرشاتها في مضيق هرمز ومحاولتها السيطرة على الملاحة البحرية في محيطه، وصولاً إلى سعيها الفاشل، عبر الحوثي، للإمساك بباب المندب والملاحة في البحر الأحمر.
أثار التصعيد الحوثي في هذه البقعة مخاوف من سعي طهران إلى استهلاك أذرعتها كافة، من اليمن إلى لبنان، خصوصاً في مواجهات تخفف عنها الضغوط المباشرة،
لكنه تصعيد يمكنه في الوقت ذاته أن يجر الإقليم إلى حروب أوسع ويطرح أسئلة عن احتمالات الردود الدولية، وخصوصاً الأميركية، على التهديد المتصاعد للمواصلات البحرية والبرية ومصير أمن المضائق الحيوية، من عدن إلى الخليج العربي.
ويُطرح في هذا المجال سؤال عن نوع وحجم الرد الأميركي تحديداً، والذي وعد ترمب ببحثه، قبل أن يقع السؤال عن موقف قوى دولية أخرى بدأت تُبدي اهتماماً ملموساً بمجريات الأحداث في المنطقة الملتهبة
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: هل تكتفي واشنطن بالدعم الدفاعي والاستخباراتي للسعودية ودول الإقليم، أم تنتقل إلى شن ضربات مباشرة ضد الحوثيين؟
وهل يبقى هدف السعودية إبعاد التهديد عن أراضيها، أم إنها ستضطر إلى محاولة تغيير ميزان القوى والسيطرة في اليمن؟
ثم هل تتحول التهديدات إلى تعطيل مستمر للملاحة في باب المندب؟ وإلى أين ستذهب طهران في تبنيها خطط الحوثيين ومغامراتهم؟ التطورات الميدانية حتى الـ11 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري تشير إلى تطورات مهمة على ثلاث جبهات:
فالحرب الأميركية - الإيرانية مستمرة، مع توترات متجددة في الخليج ومضيق هرمز، بما في ذلك استهداف سفينة تجارية أميركية وسفن أخرى في المنطقة.
وما يجري كمشهد عام إشارة إلى خطورة ما يمكن أن يحدث.
والسيناريوهات التالية تحليل لاحتمالات التصعيد، وليست تأكيداً بأن قراراً عسكرياً قد اتخذ غير الذي نعرفه في المبدأ، وهو إعلان الحكومة اليمنية الشرعية نيتها الانتهاء من الوضع القائم.
في السياق، يمكن اليمن أن يتحول إلى ساحة ضغط تمهد لمرحلة قصوى مع إيران، لكن يمكن أيضاً (لليمن) أن يكون مساراً مستقلاً للتفاوض أو التصعيد المحدود.
وإذا كانت، بحسب المعنيين في الصراع القائم، لا توجد ضرورة عسكرية أو سياسية تفرض أن يحسم الملف اليمني أولاً قبل الانتقال إلى الملف الإيراني، فإن مسار الأحداث في أكثر من بقعة وساحة متصلة قد يفرض توجهات وخطوات أخرى مختلفة.
صحيح أن الأرض هي التي ستقرر النتائج، وهذه ستكون حصيلة المواجهات المباشرة بين أميركا وإيران، والمعارك غير المباشرة في دول الإقليم، إلا أن مجالاً سيُترك للمداخلات والمحاولات الدبلوماسية.
ومن ذلك ما يمكن توقعه من روسيا والعلاقات الناشطة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والأميركي دونالد ترمب. وأخيراً، في مكالمة استمرت نحو ساعة ونصف الساعة، قبل أيام،
عرض بوتين على ترمب حل مشكلة اليورانيوم الإيراني المخصب. وكان الرئيس الروسي نسق مع طهران ونقل وجهة نظرها للحل المحتمل إلى الرئيس الأميركي. المكالمة بين بوتين وترمب تناولت أزمة اليورانيوم الإيراني المخصب وحرب أوكرانيا، وفق وكالة "تاس".
ولا يزال المقترح الروسي بنقل اليورانيوم الإيراني إلى روسيا قائماً، كونه مخرجاً محتملاً للأزمة.
وفي المناسبة، قد تتيح قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في الصين، بعد نحو شهر، لقاءً جديداً بين بوتين وترمب وشي جينبينغ يمكن أن يسفر عن سلسلة اتفاقات، بما فيها ما يلامس ترتيبات المنطقة، وهي ترتيبات بدأ الإعداد لها فعلياً على الأرض.
طوني فرنسيس
إعلامي وكاتب لبناني