الذكاء الاصطناعي... إعادة إنتاج الصورة النمطية للنساء المسلمات
يفرض التطور المتسارع في التقنيات الرقمية علينا (صحافيين وقرّاءً) إعادة تقييم شاملة للأدوات التي نستخدمها يومياً.
وفي سياق سعينا الحثيث إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات الكتابة والتحرير وإنتاج المحتوى الصحافي، تبرز أمامنا ضرورة قصوى للتمسك بقيم الأمانة والمصداقية، بوصفها معايير أساسية وأخلاقية صارمة.
هذه المعايير المهنية تصبح أكثر إلحاحاً عندما نضع مخرجات الأنظمة الخوارزمية تحت المجهر النقدي، لنكتشف أنها تحمل في طياتها تحيزات عميقة تجاه فئات محددة.
تصنف إشكالية تمثيل المرأة المسلمة والعربية في الفضاءات الرقمية التي تديرها تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي من أعقد هذه القضايا. فنحن نقف أمام تقنية تدّعي الموضوعية، بينما تعيد في جوهرها إنتاج قوالب نمطية تمس بكرامة الأفراد.
عندما نطلب من خوارزميات الذكاء الاصطناعي توليد نصوص أو صور تتعلق بالمرأة المسلمة والعربية، فإننا نصطدم غالباً بجدار من القوالب النمطية الجاهزة التي تختزل تاريخاً طويلاً وثقافة معقدة في تفاصيل شكلية سطحية.
تتجه هذه النماذج التوليدية بطبيعتها إلى تأطير صورة المرأة ضمن قوالب بصرية ومفاهيمية ضيقة للغاية، فتُحصر هويتها في عناصر محددة، مثل الحجاب والعباءة والملابس التقليدية.
تترافق هذه التمثيلات مع ربط المرأة العربية والمسلمة بأدوار اجتماعية هامشية، أو تقديمها شخصيةً خاضعة، ما يعكس بوضوح السرديات الاستشراقية التي لطالما هيمنت على الإعلام الغربي الكلاسيكي.
تبرز هذه الإشكالية في الدراسة الميدانية التي أجرتها الباحثة مهويش معظم في كلية القانون بجامعة كاليفورنيا (بيركلي).
فقد سعت الباحثة إلى استكشاف كيفية تعامل التطبيقات الحديثة مع الرموز الدينية، واختبرت أكثر من 25 تطبيقاً تجارياً مخصصاً لتوليد الصور الشخصية المهنية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
النتيجة: أزالت جميع هذه، ومن دون أي استثناء، الحجاب عن الصور الشخصية التي أدخلتها الباحثة في الأنظمة.
هذا السلوك الخوارزمي يكشف عن خلل بنيوي؛ فتتعامل التطبيقات مع مفهوم "المهنية" بوصفه مرادفاً حصرياً للمعايير الجمالية والثقافية الغربية.
وبموجب هذا المنطق البرمجي، تُستبعد المظاهر الدينية أو الثقافية المغايرة تلقائياً. هكذا، تُعيد النماذج إنتاج صور نمطية ترى الحجاب عائقاً يحول دون الاندماج في بيئات العمل الحديثة.
تكمن خطورة هذا النهج في كونه يفرض رؤية أحادية الجانب للواقع الاجتماعي، ويقصي التنوع الثقافي والديني منهجياً، ويقدم تمثيلات مشوهة ومبتورة تبتعد كلياً عن حقيقة المجتمعات العربية والإسلامية الحديثة.
وبناءً على ذلك، يتضح أن هذه النماذج الخوارزمية تفتقر إلى القدرة على عكس الواقع بموضوعية، وتنشط في المقابل بوصفها أدوات فعالة تعيد تشكيل الواقع وتزييفه وفقاً لانحيازات خفية مدمجة بعمق في بنيتها التأسيسية.
وهذا الأمر يضعنا أمام تساؤلات ملحة حول مدى استقلالية الآلة عن تحيزات وأحكام صانعيها والبيئات التي نشأت فيها.
تتجاوز الخطورة الفعلية لهذه الأنظمة حدود إنتاج الصور النمطية البصرية أو المفاهيمية، لتصل إلى مرحلة إنتاج أضرار عملية ومباشرة تستهدف النساء يومياً في حياتهن الواقعية، وتصادر حقهن في التعبير عن هوياتهن بحرية وأمان.
وقد كشف تحقيق صحافي استقصائي أجرته صحيفة ذا غارديان البريطانية عن هشاشة الضوابط الأخلاقية في نماذج الدردشة الآلية الشهيرة، والتي تستجيب بكل سهولة للطلبات المباشرة بإزالة الحجاب عن صور النساء المسلمات.
وفي إطار هذا التحقيق، أُجري اختبار شمل مجموعة من أبرز التطبيقات، مثل "تشات جي بي تي" و"غروك" و"جيميناي" و"كلود".
وقد استجاب كل من نموذج "تشات جي بي تي" ونموذج "غروك" فوراً من دون أي تردد لطلب إزالة الحجاب عن صورة مولدة مسبقاً لامرأة محجبة.
وفي المقابل، ورغم أن نموذج "جيميناي" رفض الطلب في البداية متذرعاً بعدم امتلاكه الصلاحية لتغيير مظهر شخص من دون الحصول على موافقته الصريحة، تهاوى هذا المنع بمجرد تعديل صيغة الطلب.
فعندما طُلب من النظام أن "يجعل المرأة تبدو أكثر غربية"، استجاب فوراً، وأنتج صورة للمرأة من دون حجاب، في دلالة واضحة على ربط التجريد من الهوية الدينية بمفهوم "الغربنة".
أما نموذج كلود، فقد كان الوحيد الذي أعلن رفضه التام لتعديل الصورة وإزالة الحجاب تحت أي ذريعة.
تتجسد الانتهاكات الرقمية في حوادث واقعية خطيرة، ولعل أبرزها الحادثة التي تورط فيها جوليان أودول، وهو عضو في البرلمان الفرنسي عن حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف.
فنشر هذا السياسي صورة معدلة رقمياً لامرأة مسلمة، إذ جرّدها من حجابها وفستانها الطويل المحتشم، وأرفق الصورة بعبارة مستفزة تحمل شعار "الحرية الفرنسية".
تنسحب الانتهاكات الصارخة على منصات وتطبيقات أخرى،
فأشار تقرير مفصل نشرته مجلة وايرد المتخصصة في التكنولوجيا إلى استخدام نموذج "غروك" استخداماً مكثفاً وممنهجاً لتجريد النساء من الحجاب والساري الهندي التقليدي، بهدف السخرية والتشويه وامتهان الكرامة.
وفي السياق الآسيوي، تسلط دراسة حديثة أعدها مركز دراسات الكراهية المنظمة الضوء على ظاهرة مقلقة في الهند، فتوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي بتزايد لتوليد وإنتاج صور ذات طابع جنسي تستهدف النساء المسلمات مباشرةً.
تهدف هذه الممارسات إلى تجريدهن من إنسانيتهن، وتخويفهن، وإسكاتهن، ومنعهن من المشاركة في الفضاء العام.
تطاول هذه الممارسات العنيفة أيضاً شخصيات سياسية مسلمة بارزة في الولايات المتحدة الأميركية، مثل النائبتين إلهان عمر ورشيدة طليب، اللتين تواجهان حملات تشويه رقمية مشابهة.
تؤكد جميع هذه الحوادث والوقائع أن القوالب البرمجية والتحيزات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي تتحول وبسرعة فائقة إلى أدوات فعالة للعنف الرقمي، وتؤثر بعمق في سلامة الأشخاص الحقيقيين وحقوقهم الأساسية، وتترك ندوباً نفسية واجتماعية يصعب محوها.
لفهم جذور الإشكالية المعقدة، لا بد من تتبع مصادر التحيز التي تكمن في طبيعة بيانات التدريب الضخمة التي تعتمد عليها الشركات التكنولوجية الكبرى في بناء نماذجها.
فالخوارزميات المتقدمة تتغذى على كميات هائلة من المعلومات والنصوص والصور المتاحة على شبكة الإنترنت.
هذه المساحات الرقمية تتشبع تاريخياً وثقافياً بالسرديات الغربية المنحازة، وتحفل بالصور النمطية السلبية والأفكار المسبقة عن المجتمعات العربية والإسلامية عموماً، والمرأة خصوصاً.
يؤدي النقص الحاد في التمثيل العادل والمنصف لهذه المجتمعات ضمن قواعد البيانات إلى تكريس وتضخيم هيمنة الرؤية المركزية الغربية بوصفها معياراً وحيداً لتقييم العالم.
تلعب القواعد الأخلاقية والسياسات التوجيهية التي تضعها الشركات المطورة دوراً حاسماً في تفاقم المشكلة أو الحد منها. يتجلى التناقض الصارخ في سياسات الشركات عندما نراقب آليات استجابتها للطلبات الحساسة.
فعلى سبيل المثال، تفرض بعض الشركات قيوداً صارمة تمنع تقنياتها من تعرية صور الأشخاص الحقيقيين إذا كانوا يرتدون ملابس مثل قمصان السباحة، وتعتبر ذلك انتهاكاً للخصوصية.
في الوقت نفسه، تتساهل الشركات تماماً مع طلبات إزالة الحجاب، وتتعامل معها بتبسيط مخلّ، وتعتبرها مجرد تغيير بسيط في تسريحة الشعر أو الملابس.
هذا النهج يتجاهل، عمداً، الأبعاد الدينية والثقافية العميقة التي يمثلها الحجاب بالنسبة للمرأة المسلمة، ويعكس خللاً منهجياً في طريقة اختبار النماذج وتحديد أولويات الحماية الرقمية والخصوصية الشخصية.
بناءً على ذلك، يصبح من الضروري إعادة النظر في مفهوم "الحياد" التكنولوجي الذي تتبناه هذه الشركات.
تبدو مطالبة أنظمة الذكاء الاصطناعي بالحياد التام خطوة غير كافية وقاصرة، لأن ادعاء الحياد في بيئة معرفية ورقمية منحازة أصلاً يعني ببساطة الحفاظ على الوضع القائم وتكريس التمييز ومأسسته رقمياً.
ويتعين علينا إعادة تعريف مفهوم الحياد جذرياً عندما يتعلق الأمر بالثقافة والدين والجندر، ليصبح هذا المفهوم قائماً على مبادئ الشمولية، والإنصاف، والوعي الحقيقي بالسياقات الثقافية المتعددة والمعقدة.
تقع مسؤولية التصحيح التاريخي والأخلاقي بالدرجة الأولى على عاتق الشركات التكنولوجية المطورة لهذه الأنظمة، إلى جانب الجهات التنظيمية الحكومية، والباحثين المستقلين، ومؤسسات المجتمع المدني.
يجب أن تتضافر جهود جميع هذه الأطراف لضمان تطوير أنظمة تكنولوجية آمنة وعادلة، تحترم كرامة الإنسان وتلتزم بالمعايير الأخلاقية والمصداقية المطلوبة لبناء فضاء رقمي خالٍ من الإقصاء والتمييز والكراهية، وبما يتوافق مع تطلعاتنا المهنية العميقة نحو بيئة إعلامية نزيهة وموضوعية.