هل يعاود الحوثيون هجماتهم البحرية رغم الاتفاق مع أمريكا؟
تعود المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في البحر الأحمر وبحر العرب إلى الواجهة مجدداً، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، واقتراب الطرفين من لحظة فاصلة بين استمرار المسار الدبلوماسي أو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية محدودة.
وفي هذا السياق، كشفت هيئة البث الإسرائيلية عن معلومات قالت إنها تشير إلى استعدادات ميدانية ولوجستية تقوم بها جماعة الحوثي الحليفة لطهران، تحسباً لاحتمال توجيه ضربة أمريكية داخل الأراضي الإيرانية، بما يعيد سيناريو استهداف السفن الأمريكية إلى الواجهة بعد فترة من التهدئة النسبية التي سادت منذ منتصف 2025.
وتكتسب هذه المعطيات أهميتها من تزامنها مع محادثات أمريكية إيرانية غير مباشرة، ومع وجود تفاهم سابق بين واشنطن والحوثيين على وقف الهجمات البحرية، ما يضع هذا التفاهم أمام اختبار عملي جديد مرتبط مباشرة بتطورات الملف الإيراني.
تهديدات واستعدادات
أفادت هيئة البث الإسرائيلية، مطلع فبراير 2026، أن مصدراً أبلغها بوجود استعدادات عسكرية ولوجستية تنفذها جماعة الحوثي، تحسباً لاحتمال استهداف الولايات المتحدة لإيران.
ووفق المصدر، فإن هذه الاستعدادات ترتبط بشكل مباشر بإمكانية استئناف الهجمات ضد السفن الأمريكية في البحر الأحمر وبحر العرب.
وبحسب المعلومات، قامت الجماعة خلال الأيام الماضية بنقل مخازن صواريخ ووسائط جوية مسيرة من مواقع ثابتة كانت عرضة للرصد والاستهداف، إلى مواقع تشغيل ميدانية متنقلة، في خطوة تهدف إلى رفع الجاهزية وتقليص زمن القرار والتنفيذ في حال صدور توجيه بالتصعيد.
كما تحدثت المعطيات عن نشاط مكثف داخل البنية القيادية العسكرية للحوثيين، شمل عقد اجتماعات متواصلة وتقييمات موقف، تتعلق بجاهزية الوحدات البحرية ووحدات الإطلاق بعيدة المدى، إضافة إلى مراجعة سيناريوهات العمل البحري المحتملة.
وأشارت الهيئة إلى أن هذه المعلومات نُقلت إلى جهات في الإدارة الأمريكية عبر قنوات اتصال غير مباشرة، ما يعكس مستوى الجدية التي تتعامل بها واشنطن مع احتمالات عودة التهديد البحري، رغم سريان تفاهم وقف الهجمات.
بين التهديد والتصعيد
يأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اقتراب واشنطن وطهران من لحظة اختبار حاسمة، بين استمرار المفاوضات أو الانتقال إلى ضربة عسكرية محدودة داخل إيران، وهو سيناريو تعتبره طهران تجاوزاً لخطوط حمراء تمس أمنها القومي.
وتُعد الساحات غير المباشرة، ومنها اليمن، جزءاً من معادلة الردع المتبادل، إذ يُنظر إلى أي تصعيد بحري على أنه رسالة سياسية ذات أثر اقتصادي وأمني مباشر، نظراً لحساسية طرق الملاحة وأهميتها للتجارة والطاقة العالمية.
وفي هذا الإطار، يُفهم التحرك الحوثي المحتمل كجزء من شبكة ضغط أوسع مرتبطة بإيران، دون أن يعني ذلك بالضرورة قراراً مستقلاً أو فورياً، بل خياراً يُفعّل عند تغير قواعد الاشتباك الإقليمية.
وتشير التقديرات إلى أن أي ضربة أمريكية داخل إيران ستُقرأ إقليمياً على أنها كسر لسقف التهدئة، ما قد يدفع أطرافاً مرتبطة بطهران إلى الرد في ساحات أقل كلفة مباشرة من المواجهة المفتوحة، وفي مقدمتهم جماعة الحوثي في اليمن.
احتمال قائم
يرى الخبير الأمني مجيب عبد الله أن عودة جماعة الحوثي إلى استهداف السفن الأمريكية "تظل احتمالاً قائماً" رغم التفاهم الذي جرى التوصل إليه مع واشنطن منتصف العام الماضي
مشيراً إلى أن الاتفاق في جوهره "كان تفاهم تهدئة مشروطاً بالسلوك الأمريكي تجاه إيران، وليس اتفاقاً مستقلاً أو دائماً يعكس تغييراً في عقيدة الجماعة العسكرية".
ويشير، إلى أن الحوثيين يتعاملون مع الاتفاق "بوصفه أداة تكتيكية قابلة للتعليق لا التزاماً استراتيجياً طويل الأمد إذ تحتفظ الجماعة بكامل قدراتها البحرية والصاروخية دون أي تفكيك أو رقابة ما يسمح لها بالانتقال من التهدئة إلى التصعيد بسرعة، إذا رأت أن ميزان الرسائل الإقليمية يتطلب ذلك".
ويضيف: "أي ضربة أمريكية داخل الأراضي الإيرانية ستُعد من منظور الحوثيين تجاوزاً مباشراً لخطوط الردع التي وضعتها طهران؛ ما يفتح المجال أمام تفعيل الساحات غير المباشرة وفي مقدمتها البحر الأحمر وبحر العرب، باعتبارها مسرحاً منخفض الكلفة نسبياً وعالي التأثير سياسياً واقتصادياً".
وأضاف: "الجماعة تسعى عبر التلويح بالتصعيد البحري إلى إعادة إدخال نفسها في معادلة التفاوض الإقليمي، خصوصاً في ظل شعورها بأن تفاهم وقف الهجمات همّش دورها مؤقتاً، وأخرجها من دائرة التأثير المباشر على القرار الأمريكي".
وتابع: "عودة الهجمات ليست حتمية، لكنها تبقى خياراً مرجحاً إذا انتقلت المواجهة بين واشنطن وطهران من المسار الدبلوماسي إلى العمل العسكري، إذ سيُنظر إلى البحر الأحمر مجدداً كأداة ضغط سياسية، لا كساحة اشتباك مستقلة بذاتها".
اتفاق وقف الهجمات
في مايو 2025، أُعلن عن تفاهم بين الولايات المتحدة والحوثيين، بوساطة سلطنة عُمان، يقضي بوقف استهداف السفن الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب، مقابل وقف الضربات الأمريكية المباشرة ضد مواقع الجماعة داخل اليمن.
واتسم هذا التفاهم بطابع محدود من حيث النطاق، إذ لم يشمل الهجمات المرتبطة بـ"إسرائيل"، كما لم يتضمن تفكيكاً لقدرات الحوثيين البحرية أو الصاروخية، بل اقتصر على وقف متبادل مشروط مرتبط بسلوك الطرفين.
وبناءً على هذه الصيغة، ظل الاتفاق هشاً وقابلاً للتعليق في حال تغير السياق الإقليمي، خصوصاً إذا دخلت الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع إيران، أو وسّعت من عملياتها العسكرية.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الحوثيين يتعاملون مع هذا التفاهم بوصفه مرتبطاً بموقف واشنطن من طهران، وليس التزاماً دائماً منفصلاً عن الصراع الأوسع في المنطقة.
سجل الهجمات البحرية
منذ أواخر 2023، نفذت جماعة الحوثي موجة واسعة من الهجمات البحرية باستخدام صواريخ مضادة للسفن، وطائرات مسيرة، وزوارق مفخخة، ما أدى إلى اضطراب واسع في حركة الملاحة الدولية ورفع كلفة التأمين والشحن.
وشملت تلك الهجمات استهداف سفن تجارية وسفن عسكرية أمريكية وبريطانية، إضافة إلى تهديدات متكررة بإغلاق باب المندب، ما دفع الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري وتنفيذ ضربات مباشرة داخل اليمن.
ورغم الضربات المكثفة، لم تُنهِ العمليات العسكرية قدرات الحوثيين بشكل كامل، بل حدّت منها مؤقتاً، وهو ما سمح للجماعة بالاحتفاظ بخيارات إعادة التصعيد عند تغير الظروف السياسية والعسكرية.
ويُظهر هذا السجل أن العودة إلى استهداف السفن لا تتطلب وقتاً طويلاً من التحضير، خصوصاً مع بقاء البنية الأساسية للقدرات الصاروخية والمسيرة قائمة، وهو ما يفسر القلق الحالي من انهيار التهدئة البحرية سريعاً.