مجلس حضرموت الوطني: الفيدرالية مطلب وهواجس من إعادة تجربة "الانتقالي الجنوبي"
الرأي الثالث
منذ نهاية التصعيد الذي تسبب به المجلس الانتقالي الجنوبي في المحافظة اليمنية الشرقية، تحديداً حضرموت، وطرده منها، يبرز على نحو خاص الدور الذي يؤديه مجلس حضرموت الوطني وصعوده إلى الواجهة في المحافظة، حاملاً "القضية الحضرمية" ورافعاً علم حضرموت وشعاره الخاص، ضمن ما بات يعرف بـ"حضرموت الهوية والدولة" التي ينادي بها الكثير من الحضارم، خلال السنوات الماضية.
وزاد مجلس حضرموت الوطني من تحركاته ونشاطه أخيراً، وعقد لقاءات مع مسؤولين وموظفين في أبرز المؤسسات المؤسسات والمرافق والمكاتب الحكومية، سواء بشكل جماعي أو فردي.
كذلك عقد لقاءات مع قادة الأحزاب في المحافظة، مثل رئيس فرع حزب المؤتمر الشعبي العام عوض عبد الله حاتم، ورئيس حزب التجمع اليمني للإصلاح محمد اليدومي، والحزب الاشتراكي اليمني، والمكونات والأحزاب السياسية الأخرى في محافظة حضرموت،
إلى جانب لقاءات مع قادة وممثلي الكثير من القبائل، إلى جانب المرجعيات الدينية وغيرها.
ويعزز أداء المجلس مخاوف البعض في الأوساط اليمنية من أن تكون حضرموت، ذات الأهمية السياسية والعسكرية والاستراتيجية، تمر حالياً بالبدايات التي عاشتها العاصمة المؤقتة عدن في بدايات تشكل وتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تضخم دوره السياسي والعسكري قبل أن يقود التمرد في المحافظات الجنوبية والشرقية،
فيما يقلل آخرون من هذه الهواجس واحتمال أن تكون حضرموت خلال مرحلة لاحقة مع خطر تكرار تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي لاعتبارات عدة.
وتقع محافظة حضرموت على الساحل الجنوبي الشرقي لليمن، وتطل على بحر العرب والمحيط الهندي. هذا الموقع يجعلها حلقة وصل بين الخليج العربي وشرق أفريقيا عبر خطوط الملاحة البحرية.
كما أنها تمتد على مساحة شاسعة تشكل حوالي ثلث مساحة اليمن، ما يمنحها ثقلاً جغرافياً يفوق كثيراً من المحافظات الأخرى. وتمتد حضرموت على مساحة تقدر بنحو 190 ألف كيلومتر مربع، كما تضم عدداً من الشركات النفطية في هضبة حضرموت.
وتكمن أهمية حضرموت للسعودية في موقعها الاستراتيجي كبوابة على بحر العرب وخط تجاري حيوي، بالإضافة إلى الحدود المشتركة الطويلة بينهما.
ولطالما أدت حضرموت دوراً محورياً في حسم الصراعات السياسية والعسكرية الكبرى في اليمن، على غرار ما حدث منذ شهر ديسمبر/كانون الأول 2025.
تأسيس مجلس حضرموت الوطني
تأسس مجلس حضرموت الوطني في 20 يونيو/ حزيران 2023 خلال مشاورات حضرمية عقدت في الرياض، وانُتخب عصام الكثيري أميناً عاماً. وشملت هيئة رئاسة المجلس 23 شخصية ضمن أغلب الأطياف في المجتمع الحضرمي.
ويعد الأمين العام لمجلس حضرموت الوطني عصام الكثيري أهم الشخصيات في المجلس وأدى أدوراً في التحولات التي شهدتها حضرموت السنوات الماضية.
إلى جانب كونه وكيل محافظة حضرموت لشؤون الوادي والصحراء، كان يدير هذه المديريات من عاصمة الوادي والصحراء مدينة سيئون، ومحسوب على جماعة حزب التجمع اليمني للإصلاح.
ويعد من أشد المعارضين للمجلس الانتقالي في حضرموت. وينتمي إلى واحدة من أبرز قبائل المنطقة آل كثير.
وإلى جانب الكثيري يبرز الشيخ عمرو بن حبريش رئيس قبائل حلف حضرموت القائد العام لقوات حماية حضرموت، والذي دخل في مواجهة مع "الانتقالي" في ديسمبر 2025،
وانضم إلى قوات التحالف بقيادة السعودية وقوات درع الوطن وقوات الطوارئ الحكومية لإخراج قوات "الانتقالي" من حضرموت والمهرة. وكان "الانتقالي" منذ وصوله الى حضرموت يسعى لاعتقال بن حبريش واعتبره مطلوباً للعدالة.
كما يعد العضو في هيئة رئاسة المجلس سعد الدين علي سالم بن طالب، والذي كان عضواً في مجلس النواب ووزير التجارة والصناعة ومسؤولاً في هيئة مكافحة الفساد، شخصية حضرمية سياسية وقبلية واجتماعية مؤثرة، ومن أهم الشخصيات التي عرفت بنزاهتها.
وسبق له أن طالب بحصر الإيرادات وإنهاء الاستحواذ على المقرات الاقتصادية، واتهم السلطات الحاكمة في اليمن بأنها تشرعن الفساد بقرارات.
وتضم هيئة رئاسة المجلس كلاً من المقدم أحمد الجويد سالمين أحمد، وأمين سعيد عمر بارزيق، وحاتم مبارك أحمد بامحرز، وسالم محمد سالم باداؤود، وسعد الدين علي سالم بن طالب، وشادي صالح علي باصرة، والشيخ صالح سالم هادي العامري، واللواء الركن عبدالرحيم أحمد سالم عتيق، وعبد القادر محمد عمر بايزيد، وعبد الله رمضان عمير باجهام،
والشيخ عبد الله سالم عبد الله بن علي جابر، وعبد الله سعيد أحمد باحاج، والشيخ عبد الله صالح عمر الكثيري، وعبد الله محمد زين بن شهاب، وعبد المجيد سعيد سهل وحدين، والمهندس عمر محمد عوض الحيقي، والشيخ عمرو بن علي أحمد العليي، وفاطمة عمر علي بلعجم، وفهمي شعبان مبارك فرارة، ونشوى سعيد بن حارث السومحي، وهشام محمد سعيد السعيدي، وياسر عبد الله أحمد باهشم، والشيخ يحيى جعفر طالب باجري.
ويعرّف مجلس حضرموت الوطني على موقع الإلكتروني عن نفسه بأنه "إطار جامع يعبّر عن تطلعات أبناء حضرموت، ويعمل على تعزيز حضورهم ودورهم في صياغة مستقبل أفضل للمحافظة واليمن بشكل عام".
ويوضح أنه "تأسس المجلس ليكون صوتاً حضرمياً موحداً، ينطلق من تاريخ حضرموت العريق وقيمها الأصيلة، ويترجمها إلى مشاريع عملية تخدم الإنسان والأرض".
وقال مصدر سياسي جنوبي رفيع المستوى في الشرعية، إنه منذ عودة محافظ حضرموت سالم الخنبشي إلى سيئون في الرابع من يناير/كانون الثاني الحالي، رفع مجلس حضرموت الوطني أعلام ما يسمى دولة حضرموت بدلاً من العلم اليمني،
محذراً مما سماه " خطر أن نكون أمام نزوة سياسية جديدة تتشكل تفاصيلها في حضرموت، وتتهيأ لتكون مشكلة في القريب العاجل، وهو ما يتطلب من الآن منع حدوث ذلك
عبر الجلوس مع قادة ومؤسسي وداعمي مشروع مجلس حضرموت الوطني مبكراً، لوأد الفكرة، إذا كان هناك ميْل لاستنساخ تجربة المجلس الانتقالي المنحل، وهو الأمر نفسه مع حلف قبائل حضرموت، الذي بات يملك قوات عسكرية، وكذلك جناحاً سياسياً ممثلاً بمؤتمر حضرموت الجامع".
اقتران رفع العلمين
لكن لا يتفق كثر مع هذه المخاوف. وعلق مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية بدر باسلمة على الأمر، قائلاً، إن "مجلس حضرموت لا يرفع علم المكون فقط في أي لقاء، بل دائماً مقترناً بعلم دولة اليمن. يرفع العلمان في نفس الوقت.
هذا يعكس مطالبهم بإقليم بحكم ذاتي، وفي النظام الفيدرالي يحق لكل إقليم أن يكون لديه علمه الخاص بالإقليم".
وأضاف: "حضرموت مطلبها إقليم بحكم ذاتي في دولة اليمن، وليس نزعة نحو الانفصال". وحول الضمانات التي يمكن اعتبارها تفنيداً لأي مخاوف من عدم تكرار تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، قال باسلمة: "ضمانة الراعي الإقليمي والدولي بالالتزام بتصور محدد لشكل الدولة لحل لليمن".
وفي منشور له على صفحته في "فيسبوك" أخيراً تناول باسلمة الفكرة بشكل موسع، لافتاً إلى "أن مجلس حضرموت الوطني يؤمن بأن الفيدرالية ليست تفكيكاً للدولة، بل هي وسيلة حضارية لإعادة توزيع السلطة وتحقيق التنمية المتوازنة، بما يضمن مشاركة عادلة لجميع المكونات في صنع القرار الوطني".
تكرار تجربة "الانتقالي" واردة
وأكد الباحث الأكاديمي سعيد الهلالي، أن "تكرار تجربة مشكلة المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، وكذلك المهرة وحتى شبوة واردة، طالما وجدت من يغذيها، ومن يدعم ويمول ذلك بحكم التداخلات الإقليمية في هذه المحافظات المهمة. وما يجعلها مشكلة حقيقية هو إتاحة المجال لها بأن تكبر وتتوسع، وأن تنمو أجنحتها أمام أعين قيادة الدولة، التي يجب أن تخمد هذه الأطماع قبل أن تكبر"،
مشيراً إلى أن "حضرموت قد تكون فعلياً أمام مشكلتين، حلف قبائل حضرموت بزعامة الشيخ عمرو بن حبريش، ومجلس حضرموت الوطني، إن لم يكن هناك ثالث ينازع هؤلاء".
وأشار الهلالي إلى أن "تصريحات وبيانات هذه المكونات لا تذكر الدولة اليمنية أو اسم اليمن، عندما تتحدث عن علاقة الدول الخارجية بحضرموت، حيث تعمل على تعزيز اسم حضرموت وعلاقتها بهذه الدولة أو تلك.
وهذا يفسر الكثير من ملامح المرحلة المقبلة، والرغبة لدى هذه المكونات الحضرمية في الذهاب بعيداً، مثل الانتقالي الجنوبي".
واعتبر صفوان سلطان الشخصية السياسية الجنوبية وعضو المكتب السياسي لحزب العدالة والبناء، أن "الخلط بين مجلس حضرموت الوطني والمجلس الانتقالي الجنوبي مضلل وغير دقيق، ويقفز فوق السياق السياسي والمرجعيات التي تحكم كل طرف.
والقول إن مجلس حضرموت الوطني قد يتحول إلى انتقالي آخر لا يستند إلى وقائع، بل إلى هواجس ناتجة عن تجربة سابقة فاشلة في الجنوب. مجلس حضرموت الوطني لم ينشأ ككيان مسلح، ولا كسلطة أمر واقع، ولا كبديل للدولة، بل كإطار سياسي ــ مجتمعي جامع يعبر عن خصوصية حضرموت ضمن الدولة اليمنية ومرجعياتها المتوافق عليها".
أما الفوارق الجوهرية بين المجلسين، وفق سلطان فتكمن في أن "مرجعية مجلس حضرموت الوطني تستند إلى مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، والدولة الاتحادية، والشرعية الدستورية بينما مرجعية المجلس الانتقالي قامت على فرض الأمر الواقع خارج هذه المرجعيات".
كما شدد على أن "مجلس حضرموت الوطني سياسي مدني بينما الانتقالي اعتمد السلاح والتشكيلات العسكرية"، أما فيما يخص هدف كل واحد منهما، فبرأيه فإن "مجلس حضرموت الوطني يسعى لحماية مصالح حضرموت داخل الدولة، لا تفكيكها، على عكس الانتقالي الذي اتجه نحو مشروع إقصائي صدامي".
وأشار إلى أن مجلس حضرموت جزء من مسار الدولة وليس نقيضاً لها، بينما "الانتقالي" لا يزال في حالة اشتباك مع مؤسساتها.
وحول موضوع رفع مجلس حضرموت الوطني علمه، اعتبر سلطان أن "رفع راية حضرموت لا يعني انفصالاً ولا تمرداً، بل هو تعبير عن هوية إقليمية أقرّتها الدولة نفسها في مؤتمر الحوار الوطني، تماماً كما رُفعت رايات الأقاليم الأخرى إلى جانب العلم الجمهوري لا بديلاً عنه، وهو فرق سياسي ودستوري جوهري".
مع العلم أنه بموجب مخرجات مؤتمر الحوار الوطني اليمني (2013-2014) تم إقرار تقسيم اليمن إلى 6 أقاليم، أربعة في شمال البلاد واثنان في الجنوب أحدهما إقليم حضرموت ويضم محافظات المهرة وحضرموت وشبوة وسقطرى، على أن تكون عاصمة الإقليم مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت.
وقال سلطان إن "الأمين العام لمجلس حضرموت الوطني عصام الكثيري يُمثل نموذجاً للقيادة الهادئة والعاقلة، ويُحسب له حرصه الواضح على إبقاء المجلس في إطار سياسي جامع، بعيداً عن المغامرة أو الاستقواء، مع خطاب متوازن يراعي خصوصية حضرموت ويصون وحدة المسار الوطني".
واعتبر أن "مجلس حضرموت الوطني ليس مشكلة جديدة، بل محاولة لتفادي المشكلات، وضبط التعبير الحضرمي داخل الدولة بدل دفعه نحو التطرف أو الفوضى، والتخويف منه يعكس إما سوء فهم، أو محاولة إسقاط تجارب فاشلة على مسار مختلف تماماً في الشكل والمضمون".
فارس الجلال