اليمن في قلب الاهتمام الأوروبي: كيف فتحت المبادرة اليمنية للسلام بوابة الدور النمساوي؟
في لحظةٍ إقليمية ودولية شديدة التعقيد، نجح أعضاء المبادرة اليمنية للسلام المقيمون في أوروبا في كسر أحد أكثر الحواجز صلابة في التعاطي الدولي مع الملف اليمني: حصر الحرب في بعدها المحلي وفصلها عن تداعياتها المباشرة على الأمن والاستقرار الأوروبيين.
فقد انتقل خطابهم من توصيف المأساة الإنسانية إلى تفكيك آثارها الاستراتيجية، ليضعوا اليمن في صميم النقاش الأوروبي بوصفه قضية أمن مشترك لا شأنا بعيدا..
من الهامش إلى صدارة الأولويات الأوروبية
انطلقت جهود المبادرة من قناعة واضحة مفادها أن استمرار الحرب في اليمن لا يمس اليمنيين وحدهم، بل يمتد أثره إلى أوروبا نفسها، عبر تهديد أمن الملاحة الدولية، واضطراب سلاسل الإمداد، وتفاقم أزمات الطاقة، وتزايد الكلف الاقتصادية التي يدفع ثمنها المواطن الأوروبي بشكل مباشر.
وقد أسهم هذا الخطاب الواقعي في إعادة تعريف موقع اليمن داخل الحسابات السياسية الأوروبية، باعتباره ملفا لا يمكن تجاهله أو تأجيله..
فالحرب في اليمن وتداعياتها لم تعد شأنا يمنيا بعيدا عن الحياة اليومية للأوروبيين.
فتصاعد التوتر في البحر الأحمر أدى إلى تهديد طرق التجارة العالمية، وفرض نفقات إضافية على حركة الشحن، وتأخر وصول البضائع، وارتفاع أسعارها داخل الأسواق الأوروبية، وهو ما انعكس مباشرة على كلفة المعيشة في عدد من الدول الأوروبية..
إلى جانب ذلك، برزت تطورات خطيرة تمثلت في تجنيد جماعة الحوثي لآلاف المقاتلين وإرسالهم للقتال إلى جانب روسيا، في مشهد ينقل الحرب اليمنية من نطاقها المحلي إلى فضاء الصراعات الدولية، ويجعلها متقاطعة مباشرة مع الحرب الدائرة في أوكرانيا.
هذا التداخل غير المسبوق يؤكد أن ترك اليمن ساحة مفتوحة للصراع لم يعد خيارا آمنا لأوروبا، لا سياسيا ولا أمنيا..
لماذا النمسا تحديدا؟
في هذا السياق، لم يكن اختيار النمسا من قبل أعضاء المبادرة اليمنية للسلام اختياراً عفويا، فالنمسا، بما تمثله من حياد فاعل وخبرة تراكمية في الوساطة وحل النزاعات،
إضافة إلى دور فيينا التاريخي كمركز للحوار الدولي، تمتلك مؤهلات حقيقية للاضطلاع بدور محوري في الملف اليمني، بعيدا عن الاستقطابات الحادة..
وقد تُرجمت هذه الجهود بلقاء وزيرة الخارجية النمساوية، Beate Meinl-Reisinger، برئيس الوزراء ووزير الخارجية اليمني الدكتور شائع الزنداني،
وهو لقاء تجاوز رمزيته الدبلوماسية ليؤشر إلى إدراج اليمن ضمن اهتمامات السياسة الخارجية النمساوية، وفتح نافذة جدية لنقل ملف السلام في اليمن إلى دائرة الفعل الأوروبي المؤثر..
من فيينا إلى بروكسل: تدويل مسار السلام اليمني
تسعى النمسا اليوم إلى لعب دور يتجاوز الوساطة التقليدية، عبر العمل على تدويل مسار السلام اليمني داخل الاتحاد الأوروبي، وبناء توافق أوروبي حول ضرورة الإمساك بالملف اليمني سياسيا ودبلوماسيا، وتوجيهه بوضوح نحو مسار سلام حقيقي ومستدام،
فاستقرار اليمن لم يعد مسألة تضامن إنساني فحسب، بل ركيزة من ركائز الأمن الاقتصادي والسياسي الأوروبي..
سالزبورغ… محطة مفصلية في طريق السلام
وفي تتويج عملي لهذه الجهود، يُنتظر أن تحتضن مدينة سالزبورغ خلال النصف الأول من العام القادم مؤتمرا دوليا حول السلام في اليمن، بمشاركة فاعلين دوليين وأوروبيين ويمنيين.
ويعول على هذا المؤتمر بوصفه محطة مفصلية لإعادة صياغة المقاربة الدولية تجاه اليمن، والانتقال من إدارة الأزمة إلى العمل الجاد على إنهائها..
مبادرة يمنية برؤية أوروبية
ما يميز هذا المسار أن جذوره يمنية ورؤيته أوروبية وأفقه دولي، فقد استطاع أعضاء المبادرة اليمنية للسلام تحويل معاناة وطنهم إلى مشروع سياسي عقلاني، يخاطب العالم بلغة المصالح المشتركة والمسؤوليات المتبادلة، ويعيد فتح الطريق أمام سلام طال انتظاره..
وفي عالم تتشابك فيه الأزمات، يثبت هذا الجهد أن السلام في اليمن ليس حلما مستحيلا، بل خيارا سياسيا ممكنا، حين تتوافر الإرادة، وتلتقي المبادرة اليمنية الصادقة مع دور أوروبي مسؤول… تقوده اليوم النمسا بثبات وهدوء..