هل يضيع الوطن فجأة؟
لا يضيع الوطن فقط بالاحتلال أو بفقدان السيادة
بل عندما يصبح الظلم فيه عادة والعدل تهمة وقول الحق أعظم جريمة وخيانة.
يضيع الوطن عندما يعاقب الصادق لصراحته، ويشكك المخلص في أمانته، ويكافأ الفاسد على انحرافه، ويعلو شأن المنافق تقديرا على تعدد ألوانه.
يضيع الوطن عندما تقدم المصلحة الشخصية على مصلحة الشعب العامة.
ويضيع عندما يدار بالشعارات الرنانة لا بالسياسات الرصينة.
ويضيع عندما تحكمه نخب مستوردة من كل حانه وشلل فاسدة تنهب ثرواته وأمواله
ويضيع الوطن عندما يتحول إلى سجن كبير لأبنائه
ونعيش غربة الروح في أرجائه
وضياع الحقوق في مؤسساته
وانعدام العدالة في كل حكامه
وضياع التربية ودمار التعليم بين سكانه
يضيع الوطن عندما نجبر على الهجرة منه لأنه ما عاد لنا رزق حلال فيه
عندما يسرق من داخل جيوبنا ومن تحت جلودنا ومن داخل عروقنا
وعندما تنكسر الثقة فيما بيننا فيصير كل واحد منا وطنا لنفسه فقط.
الوطن لا يضيع فجأة
بل يضيع عندما يحكمه من يقدم مصلحة الخارج على الداخل
عندما نتباكى على كرامة البعيد ونفرح بإذلال القريب
نعم يضيع الوطن بالتدريج
ويدفن أمام ناظرينا في حضرة الفساد
أمام عيوننا وتحت تصفيق أكفنا ووسط هتافات حناجرنا
حين نعتاد القهر
ونبرر الخطأ
ونجعل الفساد نظاما لنا
ونفقد القدرة على التفريق بين الحق والباطل وبين الصح والخطأ
ونعيش ونتعايش مع الفوضى
وعندما يتسلق بعضنا بعضا لأجل المال والسلطة
ونسكت ونقول يا رب ما باليد حيلة
ونصفق لمن أكل الحقوق وباع السيادة وأضاع الكرامة
ثم بعد كل هذا وذاك
نغرق في قضايا التفاهة
والأخطر
أن يضيع الوطن وهو ما يزال على الخريطة.