فرنسا على المحك… أزمات الداخل وتصدعات المشهد الأوروبي
تتوجس الحكومات الفرنسية المتعاقبة سنويا، من عودة المدارس والعمال والموظفين إلى نشاطهم وأعمالهم بعد العطل الصيفية، إذ معظم الاحتجاجات الطلابية والاجتماعية والعمالية تنطلق في الأشهر التي تلي فترة الصيف.
وتتحضر لها الحكومات وأجهزة الشرطة ومكافحة الشغب، كحركة السترات الصفراء، التي عمت فرنسا عام 2018 والتي انطلقت بسبب رفع أسعار المحروقات وضد سياسات الرئيس إيمانويل ماكرون،
وكذلك احتجاجات المتقاعدين، والكوادر الطبية، التي انحصرت مطالبهم في زيادات في الرواتب. والحركة الطلابية التي انطلقت مؤخرا من ضاحية كريتاي الباريسية.
لكن ما حدث في فرنسا من مظاهرات مليونية هذه المرة التي أعقبتها عمليات إضرار بالممتلكات العامة وعمليات نهب وسرقة وتحطيم واجهات المحلات الكبرى، لم تشهد فرنسا مثيلا لها إلا عام 1968 عندما خرج الطلبة من جامعة نانتير أيضا بمظاهرات عارمة والتحق بهم العمال، ودامت الحركة عدة أسابيع انتهت بتقديم الجنرال شارل ديغول استقالته من الرئاسة الفرنسية.
وما أشبه اليوم بالأمس، ولكن مع فارق أن هذه الأزمة العميقة رفعت مستوى الأخطار والانعكاسات، محليا وأوروبيا ودوليا. فهذه الاحتجاجات انتشرت مباشرة كقطع الدومينو في البرتغال وبلجيكا وإيطاليا وألبانيا وألمانيا وإسبانيا، كونها تعاني من الأزمات نفسها التي تعاني منها فرنسا، ولو بدرجات متفاوتة.
المطالب الطلابية التي كانت محقة في مجملها (نقص المدرسين، تهالك البنى التحتية للمدارس والجامعات، طول ساعات الدراسة، واكتظاظ الأقسام..)، هذه المطالب وما تبعها من أحداث عنف يتم استغلالها اليوم باتجاهات مختلفة، ومطالبات خرجت عن إطار مطالب طلابية يمكن أن تحل بطريقة أو بأخرى.
والواقع يشير إلى أن تدهور الحالة المدرسية والجامعية في فرنسا هي جزء من التدهور العام على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. إذ خرج القطار عن السكة الطلابية وبدأت مطالبات أخرى من رؤساء أحزاب وسياسيين ومرشحين للرئاسة وباحثين.
الذي أوصل فرنسا لتكون «رجل أوروبا المريض» يقول أحدهم هو، عدم تمكن الحكومات المتعاقبة من إيجاد الحلول الاقتصادية الناجعة لتعديل الميزان التجاري، الذي بسببه تراكمت الديون لتتجاوز 3 تريليون دولار، وما يترتب على هذا الدين من كلفة الاقتراض بسداد الفوائد التي فاقت القدرة المالية لفرنسا،
وهذا ما أدى إلى مجموعة من الانعكاسات التي أوصلت إلى حالة الغليان الطلابي والمجتمعي بسبب العجز المالي لإصلاح وتنمية المؤسسات التعليمية والخدمية، والتي لم تجد حكومات إيمانويل ماكرون المتعاقبة (خلال العام الأخير تم تغيير ثلاثة رؤساء وزراء) حلا لها إلا برفع الضرائب، وتجميد الرواتب، ورفع أسعار المواد الاستهلاكية، وخاصة المحروقات،
التي اشتدت أكثر بسبب الأزمة التي عصفت بحروب الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز من ناحية والحرب الروسية الأوكرانية من جهة أخرى، التي زادت الطين بلة،
كون الاتحاد الأوروبي يعتبر أن خسارة الحرب في أوكرانيا هي خسارة لأوروبا بأكملها، وعليه قام الاتحاد الأوروبي بدعم الرئيس فلوديمير زيلينسكي بمئات المليارات من معدات وذخائر وسواها، وعلى رأس هذه الدول ألمانيا. فرنسا من جانبها دفعت 21 مليار يورو، رغم ديونها التي تثقل كاهل اقتصادها.
اليوم تتعالى الأصوات بوقف الدعم لأوكرانيا ورفع شعار «فرنسا أولا»، خاصة أن هذه الحرب الطويلة التي لا مخرج منها يلوح في الأفق. (في آخر اقتراح من بوتين لحل الأزمة الأوكرانية يدعو إلى لقاء بين القوى الثلاث الأولى في العالم، أمريكا وروسيا والصين، بمعنى آخر أنه لا يوجد مكان لأوروبا بين الكبار).
في أزمة أخرى تقض مضاجع فرنسا وتأخذها الأحزاب اليمينية، خاصة المتطرفة منها كحصان طروادة، للانتقاص من تراخي الدولة في إيجاد حلول حازمة لها تقوم هذه الأحزاب بإلقاء اللوم وتوجيه إصبع الاتهام إلى المهاجرين (من عرب ومسلمين وافارقة) الذين يصلون إلى الأراضي الفرنسية في قوارب التهريب التي تحط بهم في إيطاليا وإسبانيا،
ومنهم من يستغل اتفاقية «شينغن» ليتحركوا في الفضاء الأوروبي، من دون حسيب أو رقيب، ويستغلها «الإسلاميون الجهاديون» لشن عمليات إرهابية، كما حصل في بروكسل وباريس ومدريد.
ومن هذا المنطلق بدأت المطالبة بانسحاب فرنسا من اتفاقية «شينغن» لحماية حدودها بشكل أفضل. وينادي البعض الآخر بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) على غرار ما فعل الرئيس شارل ديغول سابقا،
بعد أن شعر الأوروبيون بشكل عام والفرنسيون بشكل خاص أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يعد حليفا مؤتمنا، وأنه يستغل الأوروبيين برفع التعريفات الجمركية التي أثقلت كاهل اقتصادها،
وأن ترامب يتصالح مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويرفع عن روسيا العقوبات ليحصل على النفط مقابل عدم التدخل في الشأن الأوكراني، ويبيعه للأوروبيين بأسعار مضاعفة.
وبمفهوم آخر (قطع ترامب الحبل بالأوروبيين في منتصف البئر). ويذهب البعض الآخر بعيدا بالمطالبة حتى بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي ومن اليورو لبناء اقتصاد جديد بعيدا عن قوانين الاتحاد التي تضيق على الشركات الفرنسية وتحد من حرية حركتها.
وهناك عامل آخر يضاف إلى جميع هذه العوامل إذ شهدت السنوات الأخيرة تحولا استراتيجيا كبيرا في السياسة الفرنسية تجاه افريقيا،
حيث أعلنت باريس عن انسحاب قواتها العسكرية من عدة دول افريقية، كان أبرزها مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، وذلك بعد عقود من الوجود العسكري الممتد، الذي بدأ منذ حقبة الاستعمار، خاصة أن فرنسا كانت تحصل على المواد الأولية، وبعض المنتجات من هذه الدول بأسعار منخفضة (وخاصة اليورانيوم والمعادن الثمينة الأخرى).
(في تصريح أخير لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أكد أن أوروبا لا يمكنها العيش بقدراتها الذاتية فهي كانت تعيش على ما تجنيه من المستعمرات القديمة، وأن على حلف الناتو أن يحل نفسه كما حلت روسيا حلف وارسو).
في ظل هذه المعطيات والتطورات المتسارعة، خاصة ما حدث في يوم 17 أكتوبر قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإلقاء كلمة إلى الشعب الفرنسي معبرا عن قناعته بشرعية المطالب الطلابية، وهدد وتوعد بمعاقبة المخربين.
لكن هذه الكلمة لم تقنع أحدا، بل تعالت الأصوات هنا وهناك وحتى في صلب البرلمان بمطالبته بالتنحي، وإجراء انتخابات مبكرة (تنتهي ولاية ماكرون عام 2027). وانتخاب رئيس جديد قادر على عكس تيار الانحدار والنهوض بفرنسا من جديد،
وهنا لا بد للرئيس كائنا من كان أن يأخذ بمطالب الفرنسيين على محمل الجد والعمل الشاق والدؤوب، واتخاذ إجراءات إصلاحية قاسية وعميقة، وبناء استراتيجية تخدم المصالح الفرنسية، كما يطالب بها الفرنسيون الذين يعاني قسم منهم من فقر ذات اليد،
وقسم آخر خاصة الطلبة الذين يبحثون عن مستقبل يضمن لهم عيشا كريما، وسياسيون ورؤساء أحزاب يطالبون بسياسة اقتصادية ومالية تخرج فرنسا من أزمتها ووقف دعم أوكرانيا، وإعادة النظر في عضوية فرنسا في الناتو، وشينغن، والاتحاد الأوروبي وإيجاد الحل الجذري لمشكلة المهاجرين.
رياض معسعس
كاتب سوري