شكسبير ولكن… بنكهة فرنسية
لا تزال الطبيعة العدو الأكبر لغرور الإنسان؛ فكلما وصل إلى درجات قصوى من العلوم والمعارف والتقدُّم، تفاجئه الطبيعة بظواهر يعجز عن تفسيرها أو حتى معرفة أسبابها؛ وهذا ببساطة لأن العلم لا يستطيع حتى فهم الظاهرة.
وفي تلك الحالة، يلجأ الإنسان إلى الفلاسفة وعلماء النفس من أجل وضع نظرية أو مفهوم لما يحدث، والذي من خلاله يبدأ العلماء في محاولة فهم الظاهرة.
الشيء المثير للاستغراب والاستنكار، في الوقت نفسه، أن فئة العلماء أنفسهم الذين يمجِّدون من أدوارهم طوال الوقت، في الواقع، ألصقوا هالة من الجنون والتفاهة والحمق بالفلاسفة وعلماء النفس.
أكبر دليل على ذلك، تصوير الفلاسفة ومحبي الفلسفة، وأي طبيب نفسي، في جميع ألوان الدراما أو في أي رواية شعبية شفاهية، على أنهم فئة من المرضى النفسيين أو المغيبين أو الحمقى الذي يجب تلافي التعامل معهم وسلك طريقهم،
وإلَّا أُصيب مريدوهم بنفس درجة الحمق أو الجنون. وتتصاعد تلك الموجة وكأنها تحذير من تلك الفئة المفكِّر، ما عمل على تآكل وجود الفلاسفة والمفكِّرين، تقريبًا، بعد مواصلة الهجوم على أي فيلسوف أو مفكِّر ناشئ أو مخضرم ذي حيثية.
وأمَّا علماء النفس، فلقد تم تعليبهم في دور المُرشد الناصح الذي ينحصر دوره في العمل على تنمية ذات مرضاه، وكأنه محرَّم عليه وجود أي مساحة للتفكير أو الإبداع؛ نظرًا لأنه تم إيهامه بوجود مخطوطات إرشادية محددة لا يجب الحياد عنها، لأنها صادرة من علماء يفوقونه علماً ومعرفة.
ومن الظواهر التي عجز العلم، حتى الآن، عن تفسيرها هي تكرار وجود شخص يتَّبع منهاجًا فكريًا أو فنِّيًا وله مسيرة حياة مميَّزة، ويظهر هؤلاء في أزمنة شبه متتالية أو متوازية، ولكن في مجتمعات مختلفة كليًّا.
ولقد طرح تلك الفكرة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه Frederich Nietzsche في كتابه «العلم المرح» The Gay Science؛ عندما ناقش قضية الإنسان وفوق الإنسان Übermensch، أو كما تمت ترجمته على أنه «السوبرمان».
وتلك الفكرة كانت مفهوم «العود الأبدي» eternal recurrence الذي يجادل فيها أن مسيرة الحياة هي دورات متكررة لا نهاية لها، ولهذا هي اختبار حاسم لتأكيد وجود الإنسان.
ولهذا/ يقترح نيتشه على كل فرد أن يجتهد في حياته ويجعل منها ليس اختبارًا قاسيًا، ولكن تجربة مُرضية مليئة بكل ما يسرّ النفس؛ وهذا من أجل أن يتوق الإنسان لعودته، وقبول قدره. وبهذا، يتحوَّل الفرد من مجرَّد إنسان عادي إلى «سوبرمان» Übermensch.
ولقد حاول عالم النفس السويسري الشهير كارل يونج Carl Jung (1875-1961) تفسير تلك الظاهرة من خلال تمرير مفهوم «النماذج الأصلية» Archetypes الذي يشرحه من خلال مفهوم اللاوعي الجمعي.
ومفهوم «النماذج الأصلية» يشير إلى أنماط عالمية وفطرية للفكر والسلوك البشري متأصلة في «اللاوعي الجمعي».
ويفسِّر كارل يونج مفهوم «النماذج الأصلية» من خلال ملاحظته أن جميع البشر حول العالم لهم بنية نفسية عالمية مشتركة تحتوي على تلك الأنماط أو النماذج الأصلية، التي هي بالأساس صور بدائية للأدوار التي يقوم بها الإنسان في أي إطار مجتمعي.
ولهذا السبب، قد يصيب البعض الدهشة في التفكُّر في أنماط سلوك البشر السائدة؛ فالفطرة السليمة تُقسِّم المجتمع إلى ذكر وأنثى، ويميل كلاهما إلى تكوين أسرة.
ومهما اختلفت الثقافات سيظل دور المرأة والأمّ داخل المنزل متطابقاً، والحال نفسه ينطبق على سلوك الرجل والأطفال، والرعاية، وإن كان عنصر الاختلاف الوحيد هو الخلفيات الثقافية التي ينشأ فيها الأفراد، والتي تؤثِّر إلى حدٍ ما على أنماط السلوك.
ومن ثمَّ، تصبح النماذج الأصلية أنماطًا من الشخصيات، لكنها ليست مكتملة التكوين، بل مجرَّد قوالب فطرية تُشكّل التصوُّرات والعواطف والسلوكيات البشرية في كل زمان ومكان.
وخير دليل على ذلك، ما تم تدوينه في الأساطير والأحلام والفنون والأديان والفلكلور عبر جميع الثقافات والمجتمعات في كل العصور؛ حيث الجوهر الأساسي للنماذج الأصلية يظل على الدوام قابلاً للتمييز عالميًا.
لقد رفض كارل يونج فكرة أن البشر تخلق وكأنها صفحة بيضاء «Tabula Rasa»، وجادل أن الإنسان يكتنز في ذاكرته عبر اللاوعي العديد من المعلومات وأنماط السلوك التي تحدد هويته ودوره الاجتماعي، وهي إرث ينتقل له من الأسلاف.
وعلى سبيل المثال، لا تختلف مسببات الخوف أو الفرح أو الحزن أو حتى طريقة التعبير عنهم بين الثقافات.
وحتى النكات والأمثلة التي تنبع من داخل الوجدان والفروق الثقافية الدقيقة التي تتباين حتى بين فئات المجتمع الواحد، قد تجد مردودًا مشابهًا، وفي بعض الأحيان متطابقًا، في مجتمعات تضاهيها عبر الثقافات المختلفة.
وبالإشارة إلى الأنماط الأصلية، يعتقد يونج أنه «يجب اعتبار هذه الأنماط تفتقر إلى محتوى صلب، لذلك فهي تكمن في اللاشعور. علمًا بأنها لا تكتسب الصلابة والتأثير والوعي في نهاية المطاف إلا من خلال التفاعل مع الحقائق التجريبية».
ومن ثمَّ، فإن العامل الرئيسي الذي يعمل على تكوين تلك «النماذج الأصلية» هو «اللاوعي الجمعي».
ويمكن ببساطة تعريف «اللاوعي الجمعي» بأنه المخزون المشترك الموروث عبر تجارب الأسلاف، ما يعني أن أي فرد في كل مكان، لديه إطار عمل موضوع له مسبقًا، وذلك من أجل فهم الدور الذي خُلق من أجله، والإطار الموضوعي المرسوم له.
ومن أهم الأمثلة على ذلك: مفهوم «الأم» كراعٍ، وفكرة «البطل» المنوط له التغلُّب على الشدائد.
لقد قام الباحث الأمريكي جوزيف كامبل Joseph Campbell (1904-1987) باستكمال إطار نظرية «النماذج الأصلية» من خلال ملاحظته لشخصية «البطل» ورحلته عبر الحياة، التي تتأرجح بين قمم وقيعان، إلى أن يصل لمرحلة اليقين، والتي قد يضطلع بعد سقوطه في أسوأ الأزمات بدوره كبطل، حتى ولو كلفه ذلك بذل حياته.
ولقد تبيَّن كامبل أن كل هذه السرديات لا تخرج عن كونها نمطًا سرديًا شائعًا Monomyth، وذاك النمط موجود بشكل ثابت في ثقافات لا حصر لها، إن لم يكن جميعها.
وفي كل الأحوال، يخوض البطل مغامرة، ويواجه أزمة، لكنه ينتصر بعد جهود مضنية. وأخيراً، يعود إلى دياره، لكن عند تلك المرحلة، تكون شخصيته قد أصابها التغيير، وازدادت صلابتها.
وبتتبع الأمر، يُلاحظ وجود العديد من أعلام الشخصيات العالمية الذين ظهروا «كنماذج أصلية».
ومن أكثر تلك النماذج شهرةً هي الكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير William Shakespeare (1564-1616) الذي ألهبت أعماله المسرحية وقدرته الشعرية الفائقة الوجدان العالمي،
بدءًا من العصر الإليزابيثي الذي نشأ فيه وكان عصر نهضة ثقافية ملحوظة، وصولًا إلى أفوله عن عالم المسرح بعد زواجه، وإنزوائه في حياة هادئة بعيدًا عن الصراعات والنقد والمشاحنات، وصولًا إلى يوم فراقه للحياة في مبكِّرًا، «52 عامًا».
والمفارقة، أن نفس قصة الحياة والمسيرة الذَّاتية تكررت تقريبًا مع كاتب مسرحي آخر تطابقت مسيرة حياته مع تلك الخاصة بشكسبير، بل إن دوره الأدبي لا يزال أيضًا بارزًا وحاضرًا في الوجدان العالمي ولم يخبت،
وهذا الكاتب المسرحي هو «Jean-Baptiste Poquelin» الشهير باسم موليير Molière (1622-1673) والذى أيضًا توفي مبكِّرًا عن عمر يناهز 51 عامًا؛ أي تقريبًا في نفس المرحلة العمرية التي توفي فيها الكاتب الإنجليزي شكسبير،
وهذا بعد أن اختار أيضًا الابتعاد عن المسرح لسنوات عديدة، بعد أن نصحه الأطباء بضرورة عدم إضناء نفسه في الكتابة المسرحية والتمثيل، حفاظًا على صحته، وهذا بعد أن أصيب بالسّلّ الرئوي؛ بسبب بذله جهداً كبيراً، وإهمال صحته.
وقام موليير بتأليف 31 مسرحية، دون أدنى مساعدة خارجية. وهذا بالإضافة إلى قيامه بالتمثيل في 83 مسرحية. وبالتأكيد، كان لذلك أثر سلبي على صحته الجسمانية.
وأعمال موليير، بالرغم من أنها تنتمي للمسرح الكوميدي الكلاسيكي، لكنها جميعًا قائمة على منهاج عبقري، الغرض منه هو توجيه نقد لاذع للمجتمع الفرنسي، الذي كان يعيش في حالة ازدهار وتطور ورقي ظاهري، لكن الخواء والفساد كانا ضاربين في أعماق جذوره.
وبسبب جرأة موليير في نقده اللاذع لجميع سلبيات المجتمع الفرنسي في إطار كوميدي بعيدًا كل البعد عن التفاهة والسطحية، صار يتعرَّض لموجات عنيفة من النقد الهادم والملاحقات الشخصية، وعاني كثيرًا من الأصدقاء الذين انقلبوا عليه وتحولوا لأعداء.
كان يضنيه السلوك المُخادع ممن يدَّعون الشرف والعلم والمعرفة وهم في الحقيقة عقول جدباء. لكن نقده للمتظاهرين بالتدين لإخفاء فساد مقاصدهم،
مثل مسرحيتي «تارتيف» Tartuffe و»دوم جون» Dom Juan، جعل رجال الدين والمدَّعين بأنهم يحافظون على الدين وسطوته وهيبته، يحاولون تقويض مستقبله الأدبي والفني.
ولولا مساندة الملك له وإيمانه بشخصه وقيمة ما يقدِّمه من فن، لكان التاريخ طوى شخصية موليير.
ووجد الأسلوب الأدبي وأعمال موليير متنفسًا لها في الثقافة الجماهيرية سواء في فرنسا أو على الصعيد العالمي، فلا يزال أسلوبه في الكتابة ومفرداته تؤثر في المجتمع الفرنسي وتتوارثها الأجيال، بل ويشار لها بالبنان على أن موليير قد صاغها، أو أن هذا هو أسلوبه.
ومن أشهر أقواله المأثورة المشهورة عالميًا: «نحن نأكل لكي نعيش، ولا نعيش لكي نأكل». وكذلك قوله: «تكلَّم لكي أعرف من أنت».
لقد تطابق منظور شكسبير وموليير في الكتابة المسرحية، والنقد اللاذع لسلبيات المجتمع، وكذلك في الهجوم الشديد الذي تعرَّض كلاهما له، وصار أحد أسباب هجر كل منهما للسَّاحة الفنية مبكرًا.
وكأي بطل؛ قوَّة وعظمة أعمالهما عاشت في وجدان الشعوب العالمية، وتناقل موروثهما الأجيال، وتزال أعمالهما يعاد تقديمها من منظور تاريخي أو عصري؛ وذلك لأن كليهما همه الأوحد هو اللعب على أوتار التجربة الإنسانية التي لا تتغير أبدًا مهما تبدَّل الزمان والمكان.
نعيمة عبد الجواد