“نساء فوق الرماد”.. كتاب جديد يروي قصص النساء اليمنيات في ظل الحرب
أُشهِر في مدينة إسطنبول الجزء الثاني من كتاب “نساء فوق الرماد” للدكتورة نبيلة سعيد، الصادر عن مركز المخا للدراسات، والذي يوثّق تجارب إنسانية لنساء يمنيات عايشن تداعيات الحرب على مدى أكثر من عشر سنوات، عبر مئة قصة تسلط الضوء على الصمود والمقاومة اليومية في مواجهة الفقد والنزوح وتدهور سبل العيش.
وجاء تدشين الكتاب خلال ندوتين ثقافيتين نُظمتا في إسطنبول، بمشاركة أكاديميين وباحثين وناشطين من خلفيات دولية مختلفة، ناقشوا خلالها الأثر العميق للنزاع على النساء في اليمن، في ظل تراجع الاهتمام الدولي بالقضايا الإنسانية مع تصاعد أزمات عالمية أخرى.
وفي كلمته، أوضح رئيس مركز المخا للدراسات، عاتق جار الله، أن الكتاب يمثل حصيلة جهد بحثي وإنساني امتد لنحو عام، شمل مراحل متعددة من الإعداد والتحرير والتحكيم العلمي، إضافة إلى ترجمته إلى اللغتين التركية والإنجليزية.
وأشار إلى أن إنجاز العمل تطلب تعاونًا مؤسسيًا وتحمل أعباء مالية وجهودًا تطوعية كبيرة من قبل المؤلفة.
وبيّن جار الله أن قيمة الكتاب تنبع من اقترابه من الواقع الاجتماعي العميق، إذ لا تقتصر القصص على معاناة النساء وحدهن، بل تعكس معاناة أسر كاملة في ظل الحرب، واصفًا العمل بأنه سجل إنساني يجمع بين الألم والأمل، ومؤكدًا أن المؤلف تعمّد الابتعاد عن الخطاب السياسي والعسكري، مفضّلًا التركيز على نماذج الصمود والنجاح.
من جانبها، قالت مؤلفة الكتاب، الدكتورة نبيلة سعيد، إن العمل ثمرة سنوات من البحث الميداني، شمل الوصول إلى مناطق نزاع ومحافظات محاصرة، والتواصل مع نحو 120 امرأة، جرى اختيار 100 قصة منهن لتوثيق تجارب واجهن العنف والنزوح والفقر، وتمكنّ رغم ذلك من إعادة بناء حياتهن واستكمال تعليمهن والانخراط في سوق العمل.
وأشارت إلى أن النزاع لا يهدد سلامة النساء الجسدية فحسب، بل يقوض استقرارهن الاقتصادي والاجتماعي، ويضاعف التحديات أمام النساء النازحات واللاجئات، خصوصًا في ظل أعباء الإعالة الأسرية وصعوبات الاندماج وغياب الاعتراف بالمؤهلات.
وشهدت الندوة مداخلات لعدد من الباحثات الدوليات، من بينهن باحثتان من بريطانيا وإيطاليا، أكدتا أن العنف القائم على النوع الاجتماعي يتفاقم أثناء النزاعات، وأن النساء يتحولن، بحكم الواقع، إلى فاعلات أساسيات في دعم المجتمعات وسد الفراغ الناتج عن غياب المؤسسات.
وفي مداخلة لها، اعتبرت الناشطة الدولية وكبيرة مستشاري مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، زهراء النقي، أن الكتاب يشكل قيمة توثيقية نوعية، كونه يمنح صوتًا لنساء عاديات قمن بأدوار استثنائية، مشيرة إلى أن القصص الواردة، والموزعة على عشر محافظات يمنية، تعكس وحدة التجربة الإنسانية رغم اختلاف الجغرافيا.
وأكدت النقي أهمية منهجية سرد الحكايات كأداة فعالة في التوثيق الإنساني، معتبرة أن هذا الأسلوب يسهم في تعزيز التعاطف الوجداني ونقل الخبرات عبر الأجيال، ودعت إلى تحويل هذه القصص إلى أعمال فنية وإنتاجية لضمان وصولها إلى جمهور أوسع.
بدورها، أشادت وزيرة حقوق الإنسان الأسبق، الدكتورة حورية مشهور، بالدور المحوري الذي لعبته المرأة اليمنية خلال سنوات الصراع، مؤكدة أن النساء كنّ الأكثر تضررًا من الحرب، ومع ذلك تحوّلن إلى عناصر فاعلة في الصمود وصناعة الأمل.
واعتبرت أن الكتاب يمثل إضافة معرفية وإنسانية مهمة، نجح في إبراز الوجه الإنساني للمرأة اليمنية في زمن الحرب.
وفي السياق ذاته، أكدت الباحثة الإيطالية سيمونا أن الكتاب يعيد طرح مفهوم الصمود بوصفه نتيجة لغياب المؤسسات بقدر ما هو تعبير عن القوة، مشيرة إلى أن التجربة اليمنية تعكس أنماطًا إنسانية تتكرر في مناطق نزاع مختلفة حول العالم.
من جانبه، وصف الدكتور خالد بريه الجزء الثاني من “نساء فوق الرماد” بأنه وثيقة إنسانية بالغة الأهمية، تقدم المرأة اليمنية بوصفها فاعلًا رئيسيًا في مواجهة التحديات، وليس مجرد ضحية للصراع،
مؤكدًا أن الكتاب يحمل رسالة أمل وقدرة على تحويل المعاناة إلى طاقة للبقاء وإعادة البناء.
ويقدّم كتاب “نساء فوق الرماد” شهادة اجتماعية وتاريخية توثق تجارب النساء اليمنيات خلال سنوات الحرب، وتؤكد دورهن المحوري في الحفاظ على تماسك المجتمع، في رسالة تتجاوز التوثيق إلى الدعوة للاعتراف بدور المرأة كشريك أساسي في صناعة السلام وبناء المستقبل.