"بلا عنوان"... كاظم الساهر يدور داخل أرشيفه اللحني
طرح كاظم الساهر ألبومه "بلا عنوان" في 18 أغنية تجمع بين الفصحى واللهجة العراقية، مع تنوع في الموضوعات والأشكال الموسيقية، إلى جانب عودة واضحة للون العراقي الذي ارتبط بجانب مهم من بدايات تجربته.
يواصل الساهر في هذا الألبوم تلحين كل أغانيه، إلى جانب مشاركته في كتابة بعض النصوص، لذلك يأتي المشروع الغنائي محملاً بعناصر تؤكد استمرار هوية موسيقية واضحة وراسخة.
بينما يكشف الاستماع إلى العمل عن تفاوت بين أغان تحافظ على خصوصية الساهر وتضيف إلى تجربته، وأخرى تبدو أقرب إلى امتداد لخيارات موسيقية استقرت في أعماله الأخيرة.
يظهر هذا التفاوت في مستويات عدة، من البناء اللحني والتوزيع إلى هندسة الصوت والمكساج، في حين تقدم بعض الأغاني العراقية، خصوصاً "هو أنت"، نموذجاً مختلفاً باستعادتها مفردات موسيقية وشعرية من مرحلة مبكرة في تجربته.
ومن أبرز الملاحظات التي تفرض نفسها على الألبوم، حضور مفردات لحنية وأدائية تنتمي بوضوح إلى قاموس كاظم الساهر المعروف، ولا سيما في بناء الذروة وتصعيد الأداء الصوتي.
تقدم "أتت" نموذجاً واضحاً على ذلك. تبدأ الأغنية بإيقاع مكتوم ومساحة صوتية هادئة نسبياً، قبل أن تبلغ ذروتها عند عبارة "عضت على جمر الفم"، لينتقل اللحن إلى توزيع أكثر صخباً، تتداخل فيه ملامح الهارد روك مع تصعيد واضح في أداء الساهر.
تبرز الملاحظة نفسها في "كله كذب"، فتبدو بعض القفلات واللوازم قريبة من تراكيب ظهرت في "متمردة"، ويكشف ذلك استمرار الساهر في الدوران داخل أرشيفه اللحني، بدلاً من دفع الجملة الموسيقية إلى مسارات جديدة.
كما يقدم عمل مثل "جمالك"، من كلمات سعد المسلم وألحان كاظم الساهر وتوزيع عثمان عبود، مثالاً آخر على هذه المنطقة الآمنة؛
إذ اعتمدت الأغنية على توليفة جمعت بيم الوتريات والكمنجات مع العود أو القانون، والإيقاعات العربية الخفيفة، إلى جانب البيانو والكيبورد لدعم البناء الهارموني.
جاء هذا التوزيع منسجماً مع طبيعة الأغنية، فمنحها حيوية وخفة تتناسبان مع أجوائها، كما حافظ على التوازن بين الملمس الشرقي والصياغة الأوركسترالية التي أصبحت مألوفة في أعمال الساهر.
لكن عناصر هذه التوليفة نفسها تنتمي في معظمها إلى مفردات سبق أن استُخدمت على نطاق واسع بالألبومات والأعمال السابقة.
لذلك، لا يتعلق نقد "جمالك" بافتقارها إلى توزيع جيد؛ على العكس، التوزيع نجح في أداء وظيفته. لكن نجاحه يأتي داخل صيغة مجربة ومكرورة. وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى اللحن،
فحين تكون الجملة الأساسية به تقليدية أو مكررة، يصبح مجال التجريب في مساحة التوزيع أضيق، خصوصاً مع الرغبة في الحفاظ على صورة الساهر الأوركسترالية المألوفة.
ومن بين أغاني المشروع التي اكتسبت أهمية خاصة "هو أنت"، فقد سجلت عودة التعاون مع الشاعر العراقي عزيز الرسام بعد أكثر من عقدين، إذ أعادت هذه الشراكة لألبوم الساهر لغة شعرية ارتبطت بمراحله الأولى.
انعكس هذا الاختيار على البناء الموسيقي للأغنية، فاسترجعت عدداً من مفردات الغناء العراقي مثل المقام والإيقاع، والتي منحت العمل طابعاً أدفأ وأشد انسيابية، بعيداً عن الثقل الأوركسترالي الذي حاصر بعض أعمال الألبوم الأخرى.
كما أسهم توزيع محب الراوي في تعزيز هذا الاتجاه من خلال إبراز الإيقاع والآلات الشرقية، بما فيها القانون، وإبقاء هذه العناصر حاضرة في النسيج الموسيقي بدلاً من التعامل معها بوصفها إضافات هامشية.
لذلك، بدت "هو أنت" مختلفة في شخصيتها السمعية، وحظيت باهتمام جمهور الساهر القديم، خصوصاً لدى المستمعين الذين وجدوا فيها عودة إلى اللون العراقي، وإن كان هذا يصب في نهاية المطاف بمعنى أكدناهُ مراراً، وهو الالتزام بإطار محدود، شكَّل مجالاً تحركت به أغلب أعمال الألبوم الغنائي.
وإذا كان التكرار اللحني يمثل إحدى مشكلات "بلا عنوان"، فإن التوزيع أضاف طبقة أخرى من التشابه بين الأغاني، فرغم أن ميشال فاضل ومحب الراوي يمتلكان خبرة واضحة في صناعة التوزيع الأوركسترالي،
وقد استفاد الألبوم من هذا، تحول الاستخدام الكثيف للوتريات في بعض المواضع إلى خيار ثابت أكثر من كونه قراراً درامياً مرتبطاً بطبيعة كل أغنية.
فالكمان والتشيلو يحضران بكثافة، ورغم منحهما الأغاني اتساعاً وفخامة، جعل تكرار هذا الحل عدداً من الأعمال الغنائية تتحرك داخل المجال السمعي نفسه تقريباً،
كما أن الاعتماد الكثيف على الوتريات ضغط على مساحة الآلات الشرقية، فالعود والقانون والناي يظهرون في عدد من المقاطع، لكنهم لا يحصلون على المساحة التي تسمح لهم بأن يتحولوا إلى أصوات قائدة أو شريكة في الحوار الموسيقي.
وإلى جانب الملاحظات الفنية، تعرض الألبوم لواقعة إنتاجية لافتة تمثلت في سحب أغنية "الحلوين" بعد طرحها، عقب اكتشاف ارتباط كلماتها بأغنية سبق أن قدمها الفنان العراقي حميد منصور عام 1979 بعنوان "وش قالوا الحلوين"، بحسب التقارير التي تناولت القضية.
تفتح هذه الواقعة ملف التدقيق في حقوق الأعمال والأرشيف الفني قبل إطلاقها. فالأغنية مرت بسلسلة طويلة من مراحل الإنتاج قبل أن تصل إلى الجمهور، ومع ذلك لم يظهر الاستخدام السابق إلا بعد الإصدار.
وبحسب الروايات المتداولة حول المسألة، فقد اشترى كاظم الساهر النص ووثقه، في حين لم تكن الإشارة إلى بيع الأغنية حاضرة في العملية التي سبقت التسجيل.
يترك "بلا عنوان" انطباعاً مزدوجاً؛ فمن جهة، يقدم كاظم الساهر ألبوماً يحمل بصمته بوضوح، يعود فيه إلى اللهجة العراقية والمقامات والإيقاعات الشعبية،
كما يستعيد شراكات شعرية من مراحل مهمة في تجربته، مثل "هو أنت" مع عزيز الرسام، ويقدم أعمالاً لافتة، الكلمة قادرة فيها على فتح مساحة جديدة أمام اللحن، كما في "إلا أجيبك" و"هو أنت" و"عشر دوخات".
من جهة أخرى، يكشف السماع عن تكرار عدد من المفردات التي استقرت في لغته الموسيقية، وعن اعتماد على الصياغة الأوركسترالية والوتريات بوصفها خياراً آمناً، في حين لا تمنح هندسة الصوت الآلات الشرقية الحية دائماً المساحة التي تستحقها.
تبدو الفجوة أوضح حين نقارن بين أعمال كثيفة الطبقات مثل "تدخنين" و"هلو حبيبي"، وبين "هو أنت" التي نجحت في تحقيق توازن أفضل بين الآلات الشرقية والتوزيع الحديث.
لهذا، يبدو "بلا عنوان" أقرب إلى حصيلة مرحلة منه إلى بداية مرحلة جديدة في مسيرة كاظم الساهر. فهو يثبت أن أدواته الأساسية ما زالت حاضرة: الصوت، واللحن الجيد، والتمكن من المقامات، وفهمه الدقيق لما يلائم أداءه،
لكنه يكشف في الوقت نفسه أن هذه الأدوات، حين تعمل داخل الدائرة نفسها لفترة طويلة، يمكن أن تنتج تشابهاً يحد من التجديد.
محمد السيد الطناوي