الدوري الإنكليزي الممتاز… شغف لا يُقارن ودراما لا تهدأ
يُجمع كثيرون في عالم كرة القدم على حقيقة باتت شبه مسلّمة: الدوري الإنكليزي الممتاز ليس مجرد مسابقة كروية، بل ظاهرة عالمية متكاملة، تتجاوز حدود الملعب إلى الاقتصاد والإعلام والثقافة الشعبية.
وفي وقتٍ تشهد فيه الدوريات الأوروبية الكبرى منافسة متفاوتة، يظل "البريميرليغ" الأكثر إثارة، والأوسع متابعة، والأغنى درامياً، مقارنةً بدوريات عريقة مثل الدوري الإسباني، والدوري الألماني، والدوري الإيطالي والدوري الفرنسي.
ولم تكن الجولة الرابعة والعشرين من المسابقة عادية في أحداثها، فالكل شاهد "ريمونتادا" تشلسي أمام وست هام السبت، وكذلك عودة مانشستر يونايتد أمام فولهام الأحد، والنتائج المميزة للشياطين الحمر في الآونة الأخيرة،
وتراجع نتائج ليفربول وتذبذبها، والكثير الكثير من المشاهد التي امتازت بها مسابقة البريميرليغ هذا الموسم.
إثارة لا تعرف التنبؤ وإيقاع لعب مجنون
أول ما يميّز الدوري الإنكليزي هو غياب اليقين. فحتى الفرق المرشحة تقليدياً للقب، لا تدخل أي مباراة وهي مطمئنة، بينما تمتلك فرق منتصف الترتيب أو القاع القدرة على قلب الموازين في أي جولة.
هذا التوازن النسبي جعل الصراع مفتوحاً على مصراعيه، سواء في القمة أو القاع، وأضفى على كل جولة طابعاََ مثل "النهائي المصغّر".
في المقابل، تعاني بعض الدوريات الأخرى من هيمنة تاريخية تقلّص مساحة المفاجآت، ففي إسبانيا، ظل الصراع لسنوات محصوراً بين ريال مدريد وبرشلونة، مع محاولات متقطعة لكسر الاحتكار،
وفي ألمانيا، هيمن بايرن ميونيخ على اللقب لعدة مواسم متتالية، ما أثّر على عنصر التشويق العام، أما إيطاليا، ورغم عودتها التدريجية للمنافسة، فإن نسق الإثارة فيها يبقى متقطعاً وغير ثابت.
ويتميّز البريميرليغ بإيقاعه العالي، حيث السرعة والالتحام والضغط المتواصل عناصر أساسية لا غنى عنها، لا وقت للتقاط الأنفاس، ولا مساحة كبيرة للاستحواذ السلبي.
هذا الأسلوب يجعل المباريات مفتوحة حتى صافرة النهاية، ويُنتج عدداً كبيراً من اللحظات الحاسمة في الدقائق الأخيرة.
في المقابل، يميل الدوري الإسباني إلى اللعب التكتيكي القائم على الاستحواذ وبناء الهجمة، بينما يُعرف الدوري الإيطالي بانضباطه الدفاعي وحساباته الدقيقة، ويقدّم الألماني كرة سريعة، لكن غالباً ضمن منظومة منضبطة تقل فيها العشوائية والجنون.
نجومية بلا حدود وجماهير تصنع الفارق
يستقطب الدوري الإنكليزي نخبة نجوم العالم، ليس فقط بفضل قوته المالية، بل بسبب بريقه الإعلامي وانتشاره الواسع، فاللعب في إنكلترا يعني الظهور أسبوعياً أمام مئات الملايين حول العالم، وهو عامل حاسم في قرارات كثير من اللاعبين والمدربين،
وهذا الزخم الإعلامي يمنح كل مباراة وزناً مضاعفاً، ويحوّل حتى المواجهات "العادية" إلى أحداث عالمية، بخلاف دوريات أخرى تتركّز أضواؤها غالباً على مباريات القمة فقط.
كما أن الجماهير في إنكلترا ليست مجرد خلفية صوتية، بل عنصر فاعل في صناعة المشهد. فامتلاء المدرجات، والأغاني المتواصلة، والارتباط التاريخي بين الأندية ومدنها، كل ذلك يصنع أجواءً تضخّ الأدرينالين في عروق اللاعبين.
ورغم امتلاك الدوريات الأوروبية الأخرى جماهير وفية وعاطفية، فإن الاستمرارية والزخم الأسبوعي في الملاعب الإنكليزية، يمنحان البريميرليغ طابعاً احتفالياً دائماً، لا يقتصر على المناسبات الكبرى.
كما تشير تقارير متخصصة نشرتها وسائل إعلام بريطانية مثل صحيفة "ديلي ميل" إلى أن الدوري الإنكليزي يُبث في أكثر من 200 دولة، ويصل إلى مئات الملايين من المشاهدين أسبوعياً، متفوقاً بفارق واضح على أقرب منافسيه.
وعليه فإن هذا الانتشار لا يعكس فقط جودة المنتج الكروي، بل نجاحاً تسويقياً وإدارياً جعل من البريميرليغ العلامة الأبرز في كرة القدم الحديثة.
ولا يعتبر الدوري الإنكليزي الممتاز الأفضل فقط من حيث القوة أو المال، بل لأنه الأكثر حياة، فالبريميرليغ بطولة لا تعترف بالأسماء، ولا تحترم التوقعات، وتمنح كل جولة حقها من الجنون والمتعة، وفي زمنٍ أصبحت فيه كرة القدم صناعة عالمية، نجح البريميرليغ في الجمع بين الجودة الفنية، والإثارة الجماهيرية، والانتشار الإعلامي، ليبقى في الصدارة وبفارق واضح.