السينما تبهج ليالي تعز بعد سنوات الصراع
تحاول بعض الجهات المدنية والأهلية إعادة الروح إلى دور العرض السينمائي عقب عقود من التجريم الديني والسياسي التي حجبت الرؤية عن كل معالم الفن السابع التاريخية التي تميزت بها البلاد قبل تغول جماعات الإسلام السياسي.
وعلى رغم عتمة الواقع جراء الحرب والصراع، فإن ثمة ومضات لا علاقة لها بلهب آلة القتال ولكنها مساع شبابية ذاتية تنثر الضوء من دور العرض رغم الظروف فحركت شيء من رواكد الحال الصعب في طريق الحياة.
ومن بين المحاولات ما تقوم به بعض المؤسسات المدنية لإنعاش هذا الفن كما هي الحال بـ"بيت الصحافة" ومؤسسة أرنيادا للتنمية الثقافية، بالشراكة مع "بن كاست"، التي دشنت فعاليات "شهر السينما السعودية" بمدينة تعز (جنوب غرب اليمن) ضمن برنامج "سينما الأربعاء" في عامه الثاني بجهود مجتمعية كخطوة أعادت التذكير بالسينما ومكانتها الإنسانية والحيوية في حياة المجتمعات.
من قلب الواقع إلى الآفاق
القائمون اختاروا بدء العروض لهذا الشهر بالفيلم السعودي "وجدة" للمخرجة هيفاء المنصور، الذي يعد باكورة الأفلام الروائية الطويلة التي صُورت بالكامل داخل المملكة وحصدت اعترافاً وجوائز دولية بارزة يجسد فيها قصة طفلة من أسرة متوسطة تطمح لامتلاك وقيادة دراجة هوائية.
ثم يعرج على حياة وواقع المرأة السعودية وتطلعاتها الاجتماعية في تلك الفترة، مما جعله مادة خصبة للنقاش الذي أعقب العرض وهو ما دفع النقاد والحاضرين للإشادة والثناء بذكاء المعالجة الدرامية وجماليات الإخراج التي قدمتها المنصور في هذا العمل المفصلي الذي يؤسس لنتاجات سعودية واعدة.
بين زمنين... وخوف
هذه التجربة أثارت تفاعلاً جماهيرياً واسعاً تطرق إلى حال السينما بين الأمس المشرق، والواقع الصعب الذي أنتجته آلة الطمس والتحريم الذي عانته دور العرض التاريخية في المدن الكبرى والمناطق المختلفة بعد أن تعرضت غالبيتها للهدم والتجريف أو شرائها وتحويلها لعقار مهجور لمجرد إغلاق نشاطها الفني أمام الجمهور
كما هي الحال بسينما هريكين/ الحرية في حي كريتر عدن، وهي أول دار سينما في اليمن، وسينما البادري (السينما الأهلية) في ذات الحي، وكان يملكها حسين خدابخش، وسينما بلقيس في ذات الحي أيضاً، وأخرى في صنعاء بنفس الاسم افتتحت 1967، وسينما شاهيناز (ريجل) في خور مكسر عدن، وغيرها الكثير مع سطوة الجماعات الدينية المسلحة في البلاد.
يقول رئيس بيت الصحافة محمد الحريبي، إننا نسعى من خلال هذا المشروع إلى تعزيز دور السينما في تثقيف وتنوير المجتمع، حيث بدأنا العروض في أول أربعاء من فبراير (شباط) 2025 بتخصيص عروض الأفلام، كحيلة معرفية نتجاوز من خلالها أي حساسيات، حيث خصصنا أول شهر لمجال الصحافة وعرضنا أربعة أفلام سينمائية تستعرض تجارب صحفية.
يكشف الحريبي أنهم لم يقوموا "بتغطية المشروع إعلامياً إلا في يونيو (حزيران)، وذلك لضمان قدرتنا على انتظام الفعاليات بعيداً من المضايقات وكان يتم اختيار الجمهور عبر دعوة أشخاص من دوائر معارفنا الشخصية فقط".
بعد شهر الأفلام الصحفية انتقلنا إلى أفلام عن الموسيقى ثم الحقوق، وعديد من المجالات.
هذا التنقل منحهم قرار الانتقال في فبراير 2025 نحو التجارب السينمائية الدولية، "بحيث ندرس كل تجربة سينمائية لغرض الاستفادة منها في السينما المحلية وكانت البداية بشهر الأفلام اليمنية الطويلة حيث عرضنا خمسة أفلام طويلة، ثم انتقلنا لشهر الأفلام السعودية".
لماذا السعودية؟
عن اختيار التجربة السعودية قال الحريبي، إنهم يرون أنها شهدت تطوراً كبيراً جعلها اليوم تتصدر قوائم السينما النامية وتستمر في تطورها بشكل ملحوظ، وهي حالياً محط أنظار العالم، وهو ما يجعلها تجربة تستحق الدراسة، إضافة إلى كونها البلد المجاور القريب من البيئة اليمنية وظروفها.
كما أن الحضور أكدوا اختيار هذه التجربة "لبلد واعد في المجال السينمائي إذ عانى في العقود السابقة كاليمن من غياب الإنتاج، فيما تشهد الرياض وجدة وغيرها من حواضر المملكة زيادة إنتاجية مطّردة في الأعوام الأخيرة".
وفقاً لهذا التقييم جاء الاختيار على فيلم "وجدة"، و"رأينا كيف تفاعل الجمهور معه وشعروا بقربه منهم وملامسة واقعهم، وهناك إقبال مستمر على السينما، وسنستمر في العروض حيث سنعرض هذا الأربعاء فيلم ناقة".
ويعد الحريبي وفريقه في الجهات المتعاونة بتكريس مسارهم الثقافي من خلال التنقل بين النماذج السينمائية العربية والعالمية بغية نشر ثقافة هذا الفن وتعميق الوعي بدوره ودراسة التجارب الفنية المختلفة وتأثيرها على القضايا الاجتماعية والإنسانية.
توفيق الشنواح
صحافي يمني