أفول النجم الأوحد... أفلام محشوّة بالأسماء الكبرى
ارتبطت السينما المصرية تاريخياً بمفهوم "النجم الأوحد" أو "بطل الشباك"، الذي تُبنى حوله الحبكة وتُسوّق باسمه الأفلام لعقود طويلة؛
إلّا أن الساحة السينمائية تشهد في السنوات الأخيرة تحولاً متمثلاً في التراجع الملحوظ لسطوة البطولة المطلقة، مقابل تعزيز حضور البطولات الجماعية.
لم يعد شباك التذاكر يعتمد على اسم فنان واحد لجذب الجماهير، بل باتت التوليفة الفنية التي تجمع أكثر من نجم تحت مظلة قصة محكمة وميزانية ضخمة هي الرهان الرابح.
وبالحديث بلغة الأرقام ولائحة شباك التذاكر في السينما المصرية، فإنّ الأفلام ذات البطولات الجماعية أثبتت كفاءة استثنائية في جذب الجماهير وتحقيق أرقام قياسية تاريخية.
والشواهد عديدة، نذكر منها سلسلة أجزاء فيلم "ولاد رزق"؛ فقد شكلت نموذجاً فذاً للبطولة الجماعية، إذ شارك فيه فنانون لطالما حملوا على أكتافهم أفلاماً بمفردهم، وهم أحمد عز، وعمرو يوسف، وأحمد الفيشاوي، وآخرون.
وقد حقق الجزء الثالث من العمل إيرادات غير مسجلة في تاريخ السينما المصرية، متخطياً حاجز الـ250 مليون جنيه، ما يثبت قدرة تجميع النجوم على خلق حالة استثنائية من الشغف الجماهيري.
يأتي أيضاً فيلم "كيرة والجن" شاهداً على قوة البطولة الجماعية مقارنة بالفردية، فيجمع بين كل من كريم عبد العزيز وأحمد عز لأول مرة، إلى جانب هند صبري وسيد رجب.
نجح الفيلم في كسر الأرقام القياسية مسجلاً إيرادات تاريخية تجاوزت الـ120 مليون جنيه ليصبح واحداً من أعلى الأفلام دخلاً،
كما حققت أيضاً أفلام "صقر وكناريا" للفنانَين محمد عادل إمام وشيكو، و"شمشون ودليلة" لمي عمر وأحمد العوضي، و"الكلام على إيه" للفنانين أحمد حاتم وآية سماحة وانتصار، نجاحاً كبيراً، واعتمدت أيضاً على البطولة الجماعية.
حالياً، تتنافس في شباك التذاكر أفلام "خلي بالك من نفسك" لكل من أحمد السقا وياسمين عبد العزيز، وفيلم "الجواهرجي" الذي يجمع محمد هنيدي ومنى زكي، وقد حقق العملان إيرادات ضخمة مقارنة بالأعمال التي شاركت فيها هذه الأسماء بمفردها؛
فواجهت بعض أفلام البطولة المطلقة التقليدية تحديات قاسية في تحقيق العوائد المرجوة، إذ أصبحت تذاكر السينما مكلفة نسبياً للمشاهد، ما جعله ينتقي بعناية الأعمال التي تقدم قيمة إنتاجية وفنية أضخم، وهو غالباً ما يتوافر في الأفلام الجماعية ذات الإنتاجات الضخمة.
لعلّ كل هذا يدل على أن الجمهور بات يبحث عن تنوع الحكايات وتعدّد الخطوط الدرامية التي تتيحها البطولات المشتركة. يمكن القول إنّ السينما المصرية لا تشهد بالضرورة إلغاءً تاماً لفكرة النجم الأوحد، بل إعادة صياغة لقواعد اللعبة؛
لقد أثبت الجمهور بأصواتهم في شباك التذاكر أنّ التكامل الفني وتوزيع الأدوار بين عدة نجوم يمنح العمل ثقلاً درامياً وتشويقياً أعلى، مما يجعل عصر النجم الأوحد يتوارى تدريجياً لصالح عصر السينما الجماعية الأكثر رحابة وجاذبية استثمارية.
ويقول الممثل أحمد السقا إنّه يحب فكرة البطولة الجماعية، ولم يبحث يوماً عن أن يكون وحده على الملصق الدعائي، مشيراً إلى أن وجود فنانين إلى جانبه في العمل يعطي للجميع بريقاً ويقوّي الإنتاج، ما يعكس أثره على الجميع،
وأضاف أنه قدم عدداً كبيراً من البطولات الجماعية، مشدداً على أنها نجحت، وأن الجمهور يحب مثل هذه النوعية من الأعمال، خاصة أن هناك قصصاً تتطلب ذلك.
بدوره، يشير الممثل أحمد عيد إلى أنه سبق وخاض تجربة البطولة المطلقة، موضحاً أنه لا يمانع الحضور في فيلم يكون فيه بدور ثانٍ أو ثالث، فالمهم عنده أن يكون الدور يليق بالأعمال التي سبق وقدمها.
في هذا السياق، تقول الممثلة إلهام شاهين إنها تحب الأدوار الجماعية، ولا تفكر في أن تكون بطلة وحدها على شاشة السينما. تشير إلى أنها أنتجت أعمالاً كانت فيها مع فنانين آخرين، كونها تحب القصص الجماعية المشوقة.
أما الممثلة انتصار التي شاركت في فيلم "الكلام على إيه" الذي عُرض منذ شهور، فتحدثت عن البطولة الجماعية في العمل، قائلة إنها كانت سعيدة جداً بها،
مشدّدة على أنها تفضل هذه الأعمال لأنها قريبة جداً للجمهور وتحقق إيرادات كبيرة، لأنها في كثير من الأحيان تكون مضمونة النجاح. وأشارت إلى أنّ لها تجارب عديدة مع البطولة الجماعية وكلها نجحت.
بدوره، أكد السيناريست والمنتج مدحت العدل، في تصريحات إذاعية له، أنه يفضل البطولة الجماعية جداً سواء في السينما أو التلفزيون، لأنها تعطي نوعاً من أنواع التنافس بين النجوم الكبار وتعطي مساحة كبيرة للسيناريست، وهذا موجود خارج مصر،
موضحاً أنه يتمنى أن تعود روح السينما الجماعية والثنائيات التي كانت موجودة بكثافة منذ زمن، ولا يسأل الفنان من سيشاركني العمل، مشيراً إلى أنه من الطبيعي أن يحتوي الفيلم على أجيال عديدة من الفنانين الشباب والكبار.
حول الرأي النقدي، تؤكد الناقدة خيرية البشلاوي أن السيناريو هو الركيزة الأساسية التي يُبنى عليها العمل الفني لتحديد ما إذا كان يتطلب بطولة فردية أم جماعية؛ فالنص هو الفيصل الحاكم في الدراما التلفزيونية والسينمائية على حد سواء.
وعلى الرغم من أن المشاهد يفضل دائماً رؤية أكبر تجمع للنجوم على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة، إلّا أن الخيار النهائي يظل مرتبطاً بسياسات شركة الإنتاج وحجم الميزانية المرصودة.
ويعود العزوف نسبياً عن البطولات الجماعية إلى الارتفاع الكبير في أجور الفنانين التي تستحوذ على النصيب الأكبر من التكلفة، غير أن الشركات قد تخوض هذه المغامرة وتتحمل أعباءها المالية متى ما لمست عائداً مادياً مجزياً.
مروة عبد الفضيل