مسيّرات في سماء صنعاء... نقل المعركة إلى مناطق نفوذ الحوثيين؟
الرأي الثالث
لم يكن فجر يوم الجمعة الماضي عادياً في سماء صنعاء، إذ استيقظ السكان على تحليق طائرات مسيّرة، بالتزامن مع إطلاق جماعة الحوثيين مضادات أرضية باتجاهها، وفق ما أفادت به مصادر محلية وشهادات سكان .
وتركز التحليق فوق عدد من أحياء العاصمة، بينها سعوان والحصبة والجراف وسلسلة جبال عيبان ونقم، على علو متوسط، استمر لساعات في أجواء المدينة التي تعد مركز النفوذ الرئيسي والقبضة الأمنية الأشد تحصيناً للحوثيين، فيما سُمع دوي انفجارات متتالية خلال ساعات الصباح.
وأفادت مصادر عسكرية ومنصات متخصصة، مثل "شيبا إنتليجنس" (مفتوحة المصدر)، بأن ضربات استهدفت مواقع للدفاع الجوي ومخازن أسلحة ومنشآت مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مشيرة إلى أن العمليات بدأت قبل الفجر واستمرت خلال ساعات نهار الجمعة.
ووثّقت شهادات سكان أن سماء صنعاء شهدت إطلاق نار كثيفا من المضادات الأرضية ومدافع الرشاشات التابعة للجماعة، لساعات في محاولة للتعامل مع الأجسام التي واصلت التحليق.
ولم تُسفر هذه الكثافة النارية عن إسقاط الأجسام، بل رافقتها حالة من الهلع بين المدنيين وتساقط المقذوفات العشوائية، وسط صعوبة في التعامل التقني الفوري مع المسيّرات، تلاه تباين في روايات منصات الجماعة الإعلامية.
وفي أول تفاعل رسمي، سارعت جماعة الحوثيين عبر بيان للمتحدث العسكري باسمها يحيى سريع للحديث عن إفشال "محاولات إجرامية"، متهمة أطرافاً بالوقوف وراءها ومتوعدة بالرد،
في وقت غابت فيه البيانات الرسمية المباشرة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو التحالف بقيادة السعودية بشأن هذه المسيّرات ومن يقف خلفها.
لغز المسيّرات في صنعاء
عسكرياً، يشير بقاء هذه الأجسام في الأجواء لفترات مديدة ومن دون رصد مسبق إلى امتلاكها بصمة رادارية منخفضة للغاية، وقدرة على التخفي والمناورة متجاوزة شبكات الرصد المتاحة للحوثيين.
وهي خصائص تتوافق مع المسيّرات المتقدمة التي تعتمد على تقنيات ملاحة لا تتأثر بسهولة بالتشويش التقليدي، وتستطيع التموضع في طبقات جوية يصعب على المضادات الأرضية إصابتها بدقة.
وتتراوح القراءات العسكرية للمهام المحتملة بين تنفيذ عمليات استطلاع عميق ومسح إلكتروني شامل لجمع إحداثيات دقيقة تتعلق بمقار القيادة والسيطرة ومخازن الأسلحة، أو كون هذه الطلعات بمثابة خطوة لجسّ النبض لاختبار زمن ردة الفعل وكثافة النيران الأرضية.
وكانت القوات الحكومية اليمنية قد عرضت في وقت سابق طائرات مسيّرة تحت اسمي "عيبان" و"نُقُم"، وسط إشارات إلى صلتهما بعائلة "SKYWASP" (وهي مسيّرة سعودية هجومية بعيدة المدى).
غير أن البيانات المتاحة لا تؤكد أن المسيّرات التي حلقت فوق صنعاء كانت جميعها من هذا الطراز حصراً،
كما لم تُعلن الجهات الرسمية حتى الآن عدداً دقيقاً للطائرات المسيّرة التي شاركت في الهجمات، مكتفية بالتأكيد على طبيعة العمليات العسكرية الجارية، في إطار مشروع لإنتاج طائرات هجومية "انتحارية" عبر شركة "SR2 Defense Systems" (شركة تصنيع دفاعية مقرها في الرياض)، بوصفها أول مجموعة متخصصة في تقنيات الدفاع لإنتاج مسيّرات طويلة المدى.
من الناحية الفنية، صُممت المسيّرة بتصميم هيكلي مدمج على شكل "جناح دلتا" (delta-wing)، مع مروحة دفع خلفية لديناميكية هوائية مناسبة. وتجمع منظومتها الملاحية بين نظام الملاحة بالقصور الذاتي (INS) ونظام تحديد المواقع الفضائي (GNSS)، مدعومة بقدرات لمقاومة التشويش الإلكتروني (anti-jamming)، مما يتيح لها توجيهاً ذاتياً.
وعلى صعيد القدرات، تمتلك "سكاي واسب" مدىً يصل إلى نحو 1500 كيلومتر (930 ميلاً)، وتعتمد فلسفتها التشغيلية على تنفيذ هجمات بتكلفة مدروسة.
وتشير هذه المعطيات إلى وجود تحديات تواجه منظومات الدفاع الحوثية. ورغم الكثافة النارية، أظهرت المحاولات وجود فجوة تكنولوجية تعجز معها المنظومات الحالية عن توفير حماية كاملة للعمق الاستراتيجي للجماعة.
ويتسق ذلك مع ما أكده مساعد وزير الدفاع اليمني لشؤون التعاون الدولي، اللواء سمير الحاج الصبري، من أن الجيش اليمني بات يمتلك مسيّرات متقدمة تقاتل ميدانياً، في ظل سعي المؤسسة العسكرية لرفع جاهزيتها الاستخباراتية والميدانية لتعزيز قدراتها العسكرية.
دلالات عسكرية وسياسية
وتتجاوز أبعاد اختراق سماء صنعاء الإطار التقني البحت لتصب في صلب المشهد السياسي والاستخباراتي، لا سيما أنه يأتي في ظل تصعيد عسكري في أكثر من جبهة.
ويطرح هذا الاختراق فرضيات حول طبيعة المرحلة المقبلة في الصراع اليمني، مدفوعاً بالسؤال حول ما إذا كنا أمام عتبة قاعدة اشتباك جديدة تنقل دفة التصعيد تدريجياً نحو مناطق نفوذ الحوثيين.
تاريخياً، ظلت صنعاء بمعزل عن الاستهداف الجوي المباشر نتيجة حسابات سياسية معقدة، فضلاً عن كونها خطاً بارزاً في معادلات الردع الحوثية.
وفي المقابل، تتجاذب الدوائر العسكرية قراءات متباينة، إذ يرى فريق أن هذه الطلعات قد تكون لجسّ النبض التقني لفحص الاستجابة الرادارية، من دون نيّة فورية لتنفيذ ضربات تدميرية،
بينما يذهب اتجاه آخر إلى أنها تمثيل تمهيدي لعمليات أوسع نطاقاً تستهدف البنية القيادية. ويتقاطع هذا المشهد مع التحولات في الجبهات الأخرى،
إذ أوضح الصبري، أن القوات الحكومية اليمنية تعالج ثغرات ميدانية، مع التركيز على توحيد الجبهات ورفع الجاهزية الاستخباراتية. هذا الترتيب المتوازي يعزز فرضية استعداد القوات الحكومية لمرحلة جديدة من المواجهة.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الاعتماد على الطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية في اليمن من قِبل مختلف الأطراف، مع استمرار المواجهات والضربات المتبادلة على عدد من الجبهات.
ويكتسب ظهور طرازات جديدة أهمية بالغة، في ظل سعي المؤسسة العسكرية لتطوير قدراتها الجوية، واستخدام المسيّرات بفاعلية في مهام الاستطلاع والهجوم واستهداف مواقع عسكرية حيوية بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية.
ويقول الخبير العسكري والاستراتيجي اليمني، العقيد سرحان المحيا، عن العملية العسكرية التي شهدتها صنعاء فجر الجمعة، إنها نموذجية واستراتيجية، مؤكداً أنها "وجّهت ضربة موجعة لهيبة جماعة الحوثي وخلخلت قواعد الاشتباك القائمة".
ويوضح أن "ما جرى تمثّل في عملية استطلاع وهجوم دقيقة نفذها سلاح الجو المسيّر مستهدفاً مواقع عسكرية مشروعة بالغة الأهمية".
ويضيف: "هذه العملية أظهرت الانقلابيين الحوثيين في موقف بالغ الهشاشة، حيث فقدوا أهم مبادئ قواعد الاشتباك العسكري، وفي مقدمتها الاكتشاف والتمييز، ثم الصد والتدمير".
ويبيّن المحيا أن طائرات الاستطلاع والهجوم المسيّر نجحت في استغلال التضاريس الجغرافية المعقّدة للعاصمة صنعاء لتحقيق أهدافها بدقة متناهية،
مضيفاً: "كان للطائرات ما أرادت، حين عجزت كل ترسانة الحوثي العسكرية عن مجرد معرفة نيّات هذه الطائرات، التي توزعت مهامها بدقة بين الاستطلاع العميق، والمشاغلة، وتدمير الأهداف التي تم اختيارها واستطلاعها بعناية مسبقة".
ومن منظور عسكري، يقول المحيا إن العملية، بناءً على طبيعة الأهداف المتعددة، ربما دارت بتخطيط محكم لقوة قوامها 24 طائرة مقسمة الأدوار بين الاستطلاع والمشاغلة وإسكات وسائل الدفاع الجوي، وضرب الأهداف المخططة مسبقاً في مهمة مدبرة.
ويؤكد أن عملية بهذا الحجم تمثّل نقطة "كسر عظم"، وتثبت فشلاً ذريعاً للدفاعات الجوية الحوثية.
صنعاء في قلب الصراع
بدوره، يرى الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، عادل دشيلة، أن "توقيت الاختراق الجوي لصنعاء يأتي في لحظة مفصلية من مسار النزاع المسلح، بعد جمود تفاوضي لسنوات،
وهذا التصعيد والاختراق العسكري يعكسان دلالة واضحة مفادها أن صنعاء لم تعد مستثناة من العمليات العسكرية في قادم الأيام، وأنها أصبحت تمثل جزءاً أساسياً من معادلة الضغط الميداني على جماعة الحوثي بمختلف الوسائل، في ظل تعثر مسار التسويات السلمية".
وحول الرسائل الاستراتيجية الموجّهة للقيادة الحوثية وللداخل اليمني، يوضح دشيلة أن العمق الآمن للجماعة، ولا سيما صنعاء، لم يعد في مأمن تام.
ومع ذلك، ينبّه دشيلة إلى أن الحوثيين ما زالوا يمتلكون منظومة حماية وأحزمة أمنية محيطة بالعاصمة تحول دون أي تقدّم بري فوري، لكنه يقر بأن تكثيف الضربات الجوية عبر الطائرات المسيّرة،
إلى جانب الإسناد العسكري للجيش على الأرض، قد يحدثان تغييراً مستقبلياً في موازين القوى، مما يدفع الجماعة للعودة إلى طاولة التفاوض بمرونة أكبر.
ويستدرك مشيراً إلى أن "العمليات الحالية لا يمكن تصنيفها حتى الآن نقطةَ تحول جوهرية أو معادلةَ ردع كاملة، بل هي مؤشر بارز من ضمن مؤشرات أخرى تفيد بأن صنعاء ستكون عرضة للاستهداف في حال غياب التفاهمات السياسية".
وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، يرى الباحث اليمني أن المشهد مركّب ويخضع لتداخلات واسعة، إذ تجد السعودية نفسها أمام حلفاء إقليميين ودوليين لا يرغبون في توسيع دائرة الحرب في التوقيت الراهن.
ويضيف: "ترفض الإدارة الأميركية الدعم المباشر لحرب واسعة ضد الحوثيين مفضّلة قنوات الحوار لتهدئة الأوضاع لحسابات داخلية، فضلاً عن انشغال القوى الدولية بالصراعات والأزمات العالمية الكبرى".
وفيما يتعلق بدور التحالف الدولي في البحر الأحمر، يوضح دشيلة أن "مهامه تظل محدودة وتقع ضمن حماية خطوط الملاحة الدولية واستهداف منصات إطلاق الصواريخ والتهديدات البحرية، من دون الاستعداد للدخول في حرب برية أو مواجهة مباشرة مع الجماعة في المناطق الجبلية الوعرة".
ويختتم دشيلة بالتأكيد أن "الكرة تظل في ملعب السعودية بين خيارين أساسيين،
يتمثل الأول في دعم الحكومة اليمنية وقوات الجيش الوطني لتحقيق اختراق ميداني حقيقي على الأرض في الجبهات الشرقية باتجاه صنعاء مما يخلق توازناً عسكرياً يفرض معادلة ردع تجبر الحوثيين على القبول بالتسوية السياسية،
بينما يتمثل الخيار الثاني في استمرار امتصاص الهجمات والاعتماد على الضغوط السياسية الإقليمية، وهو خيار يظل مستبعداً في ظل ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني وعدم دخولها في تهدئة شاملة ما لم تسبقها تفاهمات وحلول وسطى بين الولايات المتحدة وإيران".
فخر العزب
صحافي يمني