تعز تحت القصف وحصار الحوثيَين... المدنيون ورقة استنزاف
الرأي الثالث
تشهد محافظة تعز جنوب غربي اابلاد، حصاراً خانقاً من قبل الحوثيين وقصفاً عشوائياً بالصواريخ والقذائف تستهدف المناطق السكنية، في سياسة لا تبدو مجرد امتداد للمواجهات العسكرية على تخوم مدينة تعز بين القوات الحكومية والمقاومة الشعبية من جهة وجماعة الحوثيين من جهة أخرى،
بقدر ما تكشف عن تصاعد الضغوط على المدنيين في واحدة من أكثر جبهات الحرب استنزافاً.
ومع تجدد الهجمات وسقوط ضحايا من النساء والأطفال خلال الأيام الأخيرة، يجد سكان تعز أنفسهم أمام معركة تتجاوز خطوط التماس لتصل إلى المنازل والمدارس والمستشفيات وطرق الإمداد ومصادر الرزق، فيما تتراجع قدرتهم على الانتقال إلى مناطق أكثر أمناً في ظل حصار المدينة من جميع الجهات.
وضع إنساني يتفاقم
ووثّق مكتب شؤون الحصار بمحافظة تعز، سقوط 51 مدنياً بين قتيل وجريح، جراء القصف والاستهدافات التي طاولت الأحياء والمناطق السكنية خلال الفترة من 14 إلى 20 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، بينهم 9 قتلى هم 6 نساء و3 رجال، و42 جريحاً هم 12 طفلاً وطفلة، و12 امرأة، و18 رجلاً (بالإضافة إلى سقوط قتيلين 5 جرحى بقصف الحوثيين في 21 أكتوبر).
وأوضح المكتب في بيانات متلاحقة في وقت متأخر أول من أمس الأربعاء، وأضاف أن "كل هذه الضحايا سقطت جراء القصف المدفعي والصاروخي لمليشيا الحوثي الذي طاول الأحياء والمنازل، فيما سُجّلت إصابات أخرى أيضاً نتيجة القنص والطيران المسيّر والألغام".
وذكر أن الحصار الحوثي المستمر منذ 18 يومياً "يفاقم معاناة نحو مليوني نسمة، ويهدد حصولهم على الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن تقييد حريتهم في التنقل والسفر، وسط مخاطر إنسانية وصحية وبيئية متزايدة".
وأفاد بوجود "صعوبات في وصول الإمدادات الطبية والوقود في ظل الحصار المفروض على المدينة، ما يهدد استمرار الخدمات الطبية المنقذة لحياة الأطفال، ويعرض حياة المرضى الصغار لمخاطر جسيمة".
ودعا السلطات اليمنية والتحالف (بقيادة السعودية) والأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى التحرك العاجل لحماية المدنيين ووقف استهداف المناطق السكنية.
كذلك اتهمت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات (وهي منظمة مدنية غير حكومية مقرها عدن)، في بيان أمس الخميس، الحوثيين بارتكاب "95 جريمة وانتهاكاً خلال الـ24 ساعة الماضية في محافظة تعز، إضافة إلى إطلاق نحو 218 مقذوفاً على مناطق سكنية".
وأوضحت أن "الانتهاكات تنوعت بين القتل والإصابة جراء القصف والقنص، والاختطاف والاحتجاز في أماكن مجهولة، ومداهمة المنازل، واستهداف الأحياء السكنية وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، واقتحام منشآت مدنية ونهب محتوياتها، واستهداف الطرق العامة، بالتزامن مع استمرار الحصار والقيود المفروضة على حركة السكان والإمدادات الأساسية".
وأشار البيان، إلى أن الاعتداءات أسفرت عن مقتل 23 مواطناً وإصابة 29 آخرين، "إضافة إلى اختطاف 11 مواطناً ونقلهم إلى جهات مجهولة، ومداهمة نحو 9 منازل في مديرية جبل حبشي، وتضرر 12 منزلاً".
ويتزامن القصف والاستهدافات مع اشتداد المواجهات في محيط تعز، ولا سيما في الجبهة الغربية عند جبل هان ومدرات والمطار القديم، ما يثير تساؤلات بشأن الجدوى العسكرية الفعلية لهذا القصف، مقابل ما يخلفه من خسائر بشرية واجتماعية جسيمة.
ورغم موجة التصعيد الأخيرة، تشير المعطيات المتاحة إلى غياب أي اختراق حاسم يغير خريطة النفوذ أو يتيح للحوثيين حسم المواجهة ميدانياً في تعز، مع محاولات للتقدم أو تحقيق مكاسب موضعية هنا وهناك.
ومن هذا المنظور، يُقرأ القصف الصاروخي والمدفعي بوصفه أداة ضغط بديلة يُلجأ إليها عند تعذّر تحقيق اختراق بري سريع أو فرض تغيير مستقر على الأرض.
غير أن سلوك الحوثيين المتصاعد في استهداف المدنيين، يشير إلى أن الضغط على السكان أضحى جزءاً أصيلاً من استراتيجيتهم لإدارة المعركة.
أما الأهداف فقد تكون إرباك الحياة اليومية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، أو لإجبار القوات المدافعة على تشتيت مواردها بين حماية الجبهات وتأمين التجمعات السكنية، أو حتى لإبقاء المدينة تحت استنزاف دائم.
ولا تقف آثار هذا النهج عند حدود الخسائر البشرية والمادية المباشرة، بل تتعداها إلى فرض نمط حياة قسري على السكان تحكمه مخاطر الإصابة والنزوح وشلل الخدمات.
فأثر القصف يمتد ليضرب الأسواق والأعمال الصغيرة التي تعيل أسر تعز، إذ يُربك الحركة التجارية ويخفض المبيعات ويرفع تكاليف النقل والتأمين.
يُدخل ذلك السكان في حلقة مفرغة يتقاطع فيها القصف والحصار، ليجبرهم على المفاضلة بين توفير الغذاء أو العلاج أو كلفة النزوح. تعليمياً، يدفع الخطر الأسر لإبقاء أطفالها في المنازل أو يُعطّل المدارس، ما يتسبب في اتساع الفجوات التعليمية لدى الأطفال، لا سيما النازحين والفقراء.
أما صحياً، فيعوق القصف وإغلاق الطرق وصول المرضى والكوادر الطبية وتدفق المستلزمات، وقد أدى التصعيد الأخير إلى تضرر "مستشفى الصفوة" واقتراب نفاد المخزون الطبي.
كل ذلك يضع الحكومة وقواتها في تعز أمام اختبار يتجاوز مجرد الرد العسكري المباشر، إذ يثير حجم الخسائر البشرية تساؤلات ملحة حول الاستجابة الحالية، وقدرة المؤسسات على توفير الحماية والإغاثة لمنع تحوّل القصف إلى أداة استنزاف مفتوحة. فالفاعلية لا تتجسد في توسيع نطاق النيران أو الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة قد تضاعف المخاطر.
الضغط على سكان تعز
في هذا الصدد، قال المحلل العسكري اليمني ماجد الظاهر، إن لجوء الحوثيين إلى تكثيف القصف الصاروخي والمدفعي على الأحياء السكنية في مدينة تعز،
يأتي عقب "استنفاد الجماعة كافة الوسائل والأساليب الهجومية لتحقيق أي اختراق في الخطوط الدفاعية للمدينة".
وأوضح أن قيادة الجماعة باتت تعتمد على استراتيجية الضغط المباشر "عبر استخدام المدفعية والطائرات المسيّرة والصواريخ التكتيكية قصيرة المدى بهدف إيجاد حالة من الفزع والرعب في صفوف السكان، وفرملة الاندفاعة الشعبية المساندة للجيش الحكومي".
وأضاف أن هذا التصعيد العشوائي يسعى أيضاً إلى "انتزاع جانب كبير من جهود قيادة المعركة وتشتيتها نحو معالجة تداعيات القصف والأضرار الناجمة عنه"،
مشيراً إلى أن الحوثيين يراهنون على أن هذا الاستنزاف سيتيح لهم تحقيق أهداف "الحرب النفسية"، بالتوازي مع حملات إعلامية "تروّج لخطاب الترهيب والتشجيع على النزوح وإخلاء المدينة".
وحول أسباب التمسك بهذه الاستراتيجية، عزا الظاهر ذلك إلى "العقيدة القتالية للطرف المهاجم"، لافتاً إلى أن "تعز تمثل بالنسبة للإمامة (نظام الحكم) المجتمع الثائر على سلطاتها المتعاقبة".
وأضاف أن "بحكم ثقلها السكاني والسياسي والاقتصادي وموقعها الجغرافي، فإن المعركة في تعز تُعد معركة كسر عظم لكلا الطرفين".
بدوره، رأى الناشط السياسي اليمني جمال سلطان، أن "التصعيد الحوثي الأخير ضد تعز واستهداف أحيائها المكتظة لا يمكن عزله بحال من الأحوال عن حالة الارتباك السياسي والانسداد الميداني الذي تعانيه المليشيات الحوثية".
وأوضح أن هذا التصعيد "محاولة بائسة لكسر رمزيتها (تعز) السياسية والوجدانية بما هي قلعة صمود وحاضنة رئيسية للمشروع الوطني الرافض للانقلاب".
وأضاف سلطان أن الجماعة تسعى جاهدة للتغطية على حالة الجمود الميداني الشامل في مختلف الجبهات، فضلاً عن امتصاص حالة التذمر الشعبي المتصاعد والاحتقان المعيشي في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وشدد على أن الجماعة تُحوّل معاناة الملايين من أبناء المحافظة المحاصرة "إلى مجرد ورقة ضغط وابتزاز رخيصة، يُلوَّح بها على طاولة أية مفاوضات سياسية مرتقبة لفرض واقع جديد وإحراج السلطة الشرعية والتحالف العربي والمجتمع الدولي".
فخر العزب
صحافي يمني