تعز... حين يكون انتصارها مصلحةً للجميع
لماذا تحتاج تعز إلى الدعم؟ ولماذا يتجاوز مصيرها حدود اليمن؟ ليست تعز مجرد مدينة يمنية تحاصرها الحرب، وليست جبهة عسكرية يمكن اختزالها في خرائط الصراع وتقارير الميدان.
تعز قضية سياسية ووطنية، ومدينة تختزن في تاريخها وثقافتها وموقعها الجغرافي كثيراً من ملامح اليمن الذي يتطلع إليه أبناؤه.
ومن الخطأ النظر إلى تعز باعتبارها شأناً محلياً يخص أبناءها وحدهم؛ فمستقبلها يرتبط بمستقبل الدولة اليمنية، وبالتوازنات الأمنية والسياسية في الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
يرى أنصار المشروع العربي الإسلامي السني في صمود تعز تعبيراً عن رفض الهيمنة المسلحة على الدولة، وعن التمسك بالهوية العربية والإسلامية لليمن.
غير أن قوة هذا المشروع، إن أُريد له أن يكون مشروع دولة لا مجرد اصطفاف مذهبي، تكمن في قدرته على استيعاب اليمنيين جميعاً، وصيانة حقوقهم، وإقامة مؤسسات تحكم بالقانون لا بالسلاح.
بالنسبة إلى دول الخليج، ترتبط تطورات الحرب في اليمن بأمن الجزيرة العربية واستقرار طرق التجارة والطاقة.
ومن هذا المنظور، فإن استقرار تعز ضمن دولة يمنية قادرة على بسط سلطتها يمكن أن يخدم المصالح الأمنية والاقتصادية لدول الخليج، ويحدّ من مخاطر استمرار الصراع وتفكك المؤسسات.
قد تبدو تعز بعيدة عن القاهرة جغرافياً، لكنها تقع ضمن المشهد اليمني المتصل بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وهما من القضايا ذات الأهمية الاستراتيجية لمصر وقناة السويس.
وقيام دولة يمنية مستقرة، تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة، يمثّل مصلحة يمكن أن تلتقي عندها القاهرة مع شركائها الإقليميين.
تحتل السعودية موقعاً خاصاً في معادلة اليمن، بحكم الجوار الجغرافي والروابط التاريخية والاجتماعية والمصالح الأمنية المشتركة.
ولذلك، فإن مستقبل تعز ليس منفصلاً عن مستقبل الأمن السعودي. فكل تقدم نحو تسوية تضمن وحدة المؤسسات اليمنية وتمنع تحوّل البلاد إلى ساحة دائمة للصراع المسلح ينعكس على أمن المملكة وحدودها ومصالحها الاستراتيجية.
أما الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، فتمثّل تعز اختباراً لقدرتها على استعادة فاعلية مؤسسات الدولة، وتقديم الخدمات، وتوحيد القرار الأمني والعسكري، وتحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية ومؤسسية مستدامة.
فلا يكفي أن تصمد مدينة في الميدان إذا بقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه سكانها.
يرتبط مستقبل تعز أيضاً بملفات إنسانية كبرى، تشمل حماية المدنيين، وفتح الطرق، وضمان وصول المساعدات، وإعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف لتحقيق سلام مستدام.
وأي معالجة جادة للصراع اليمني لا تستطيع تجاهل معاناة تعز أو مطالب سكانها بالأمن والحرية والحياة الكريمة.
لقد دفع أبناء تعز أثماناً باهظة من أرواحهم وأرزاقهم وأعمارهم.
لكن الوفاء لهذه التضحيات لا يكون بالشعارات وحدها، بل بدعم مؤسسات الدولة، وحماية المدنيين، وتوفير الاحتياجات الإنسانية، وإصلاح المنظومة الأمنية، وفتح مسارات سياسية تضمن سلاماً عادلاً ومستداماً.
وإذا كان هناك من يعتقد أن ترك تعز لمصيرها يوفّر عليه كلفة الدعم، فعليه أن يضع في حساباته أيضاً كلفة استمرار الحرب، واتساع الفوضى، وتآكل مؤسسات الدولة.
إن خذلان تعز ليس خسارة لتعز وحدها، بل قد يكون خسارة لمصالح كل من يرى في استقرار اليمن ضرورة لأمن المنطقة.
لقد أثبتت تعز أن الصمود لا يُقاس بما تمتلكه المدن من موارد، بل بما يمتلكه أهلها من إرادة. غير أن الإرادة وحدها لا تبني دولة، ولا تعيد مدرسة، ولا تفتح طريقاً، ولا تداوي جريحاً.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الجميع ليس: "ماذا تحتاج تعز منا؟"، بل: "أيّ يمن، وأيّ أمن إقليمي، يمكن بناؤه إذا تُركت تعز خارج حسابات المستقبل؟".
فتعز لا تحتاج إلى من يذكّرها بقيمتها، بل إلى من يدرك قيمة استقرارها قبل أن يدرك كلفة غيابه.
عبد الصمد العزاني
كاتب وأكاديمي يمني