الانتخابات الفلسطينية والإسرائيلية: ديمقراطيتان على هاوية الاحتلال؟
أعرب الاتحاد الأوروبي وأربع دول غربية عن أسفها لقرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى أيلول / سبتمبر 2027،
وكان تصريح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الأقسى في التعبير عن هذه الموقف بقوله: إن تأجيل الانتخابات الفلسطينية هو «أسوأ ما يمكن تقديمه» للشعب الفلسطيني.
تزامن هذا مع بدء البعثات الدبلوماسية لإسرائيل في الخارج بالتصويت المبكر لانتخابات الكنيست، وذلك تمهيدا للاقتراع العام في 27 تشرين أول / أكتوبر الجاري، بشكل يكشف المفارقة السياسية بين الحدثين، والتي تتجاوز قضيتي التأجيل الفلسطيني ومباشرة الانتخاب الإسرائيلية إلى أسئلة تجاوزها الأوروبيون،
منها مثلا هل تعتبر الانتخابات المؤجلة حقا فعليا للفلسطينيين في انتخاب ممثليهم، ومن الذي يتحكم بشروط ممارسة هذا الحق ونتائجه.
زاد إعلان رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، ووزير ماليته سيئ الصيت بتسلئيل سموتريتش عزمهما نشر نحو ألفي مراقب من حزبي الليكود و»الصهيونية الدينية» في مراكز الاقتراع بالبلدات العربية المشاركة في انتخابات الكنيست وذلك بحجة «منع عمليات تزوير» متخيلة ولم تحصل في الانتخابات السابقة
وبينما ينظم الحزبان حملة موازية لحشد ناخبي اليمين المتطرّف، تسعى خطتهما لترهيب المشاركة العربية والتضييق عليها، وبذلك تثبت إسرائيل قدرتها المزدوجة على عرقلة وتعطيل الانتخابات الفلسطينية في الأراضي المحتلة بعد عام 1967، ورفض نتائجها عندما لا تناسبها، وعلى تضييق نظامها الانتخابي على مواطنيها العرب أيضا.
لا تشبه الانتخابات الفلسطينية، التي تأجلت والتي أجريت سابقا، أي انتخابات أخرى في العالم، حيث تتخلّل وقائع الاحتلال كل تفاصيلها، من القيود على القدس والضفة الغربية، إلى الدمار الشامل والموت المعمم في غزة، إلى الاعتقالات والحواجز وإرهاب المستوطنين.
تشكّل كل هذه التفاصيل عقبات هائلة أمام أي اقتراح حر وشامل، وهي عقبات لم تظهر فجأة في الشهر الحالي بل كانت معلومة عندما حددت السلطة الفلسطينية موعد الانتخابات.
لا تعفي هذه الظروف الفظيعة القيادة الفلسطينية والفصائل من كل مسؤولياتها، فقد أظهرت تجربة التأجيل عجز القوى الفلسطينية على الاتفاق على برنامج وطني، واتفاقها، رغم ذلك، على إرجاء الاحتكام إلى الشعب.
لقد اختلفت حسابات «فتح» و»حماس» والفصائل الأخرى، لكنها التقت عند مصلحة المحافظة على مواقعها السياسية والتنظيمية التي لم تختبر شرعيتها بالانتخاب منذ عقدين،
وما يزيد المشهد قتامة أن استطلاعات الرأي الفلسطينية تكشف اتساع التأييد لبدائل سياسية مستقلة عن الاستقطابات الفصائلية التقليدية.
يستحق الموقف الغربي أيضا نقدا شديدا لما يحتوي عليه من تناقض فظ.
فالدول التي طالبت بإجراء انتخابات فلسطينية حرة وشفافة، أكدت في بيانها نفسه رفض أي دور لـ»حماس» في الحكم الفلسطيني مستقبلا(!)
ما يدفع للتساؤل المرير عن ماهيّة الديمقراطية والانتخابات التي تريد هذه الدول تطبيقها على الفلسطينيين، دونا عن باقي شعوب العالم، والتي تقرّر فيه هذه الدول من الذي على الشعب الفلسطيني اختياره وأي الاتجاهات السياسية مقبول من قبل الغرب.
يذكّر هذا طبعا بالكوميديا السوداء التي جرت حين رفضت إسرائيل، ووراءها أوروبا، نتائج انتخابات عام 2006، التي شهد المراقبون بنزاهتها، وعوقب الفلسطينيون بعدها بعقوبات سياسية بدلا من احترام نتائج الاقتراع.
وفي الوقت الذي يتحكم فيه الاحتلال بشروط الاقتراع، وتبحث الدول الأوروبية عن ديمقراطية يُقصى منها الطرف الذي لا يناسبها، وتخشى الفصائل الفلسطينية اختبار شعبيتها، يغيّب الطرف الذي يفترض أن يكون صاحب القرار: الشعب الفلسطيني.
القدس العربي